الصفحة الأولى - القرآن الكريم - الرئيسية -الناشر -دستور المنتدى -صبر نيوز -المنتديات -صبر-صبرفي اليوتيوب -سجل الزوار -من نحن - الاتصال بنا -دليل المواقع

إصدارات المركز

وثائق التجمع الديمقراطي الجنوبي - تاج
03/08/2012 | :مركز (صبر-SBR) للإعلام والدراسات
article thumbnail

كان الجنوب العربي حتى الثلاثين من نوفمبر 1967م عند الاستقلال الوطني مكون من 22 إمارة  [ ... ]


وثائق المجلس الاعلى للحراك السلمي لتحرير الجنوب
03/08/2012 | :مركز (صبر-SBR) للإعلام والدراسات
article thumbnail

يكمن جوهر القضية الجنوبية في قضية شعب ومصير وطن . والاحتلال اليمني للجنوب عام 1994م ي [ ... ]


ماهي القضية الوطنية الجنوبية؟ : قراءة تحليلية واستشرافية
03/08/2012 | :مركز (صبر-SBR) للإعلام والدراسات
article thumbnail

بإجماع كل قوى السلمية الراهنة – فإن مضمون قضيتنا لا يحتمل تعدد التعاريف وتنوع الم [ ... ]


نضال و مقالات و دراسات و بحوث عن الجنوب العربي

أفعال الانتباع في لغة الجذور - بقلم : د\محمد فتحي راشد الحريري

article thumbnail

عبّر العربي عن الانتباع بعدة صيغ ، سواء كان انتباع الماء من باطن الارض ، أو استنباط [ ... ]


عندما ترقص الثعالب أعراسها - بقلم - علي نعمان المصفري

article thumbnail

(When the foxes are dancing in the wedding)
 
( أول دراسة علمية واقعية موجزة عن وضع المشهد اليمني والجنو [ ... ]


تحديد الهدف السامي المراد تحقيقه للنضال الجنوبي واجب ملح

article thumbnail

أصبح لدى الجنوبيين الهدف السامي  للنضال السياسي السلمي الذي يخوضه شعب الجنوب العر [ ... ]


الدراسات العامة

التّوازنات والتّفاعلات الجيوستراتيجيّة والثّورات العربيّة

article thumbnail

تهدف هذه الورقة إلى تحليل أثر الثّورات العربية الجيوستراتيجي المحتمل إقليميًّا و [ ... ]


دراسة بعنون- علاقة إدارة الأزمات الإستراتيجيّة الدّوليّة بهيكل النّظام الدّوليّ - بقلم - خليل عرنوس سليمان

article thumbnail

خليل عرنوس سليمان سليم، صحفي وباحث مصري من مواليد 1977، حاصل على ماجيستير في العلوم  [ ... ]


نص البيان الختامي لقمة عدم الانحياز في طهران-(دي برس)

article thumbnail

اختتمت القمة السادسة عشرة لحركة عدم الانحياز أعمالها مساء الجمعة31/8/2012 في طهران بإ [ ... ]


البحوث العامة

الآثار البيئية لبعض الظواهر المناخية

article thumbnail

تعرف البيئة بأنها الحيز المكاني الذي يعيش فيه الإنسان بكل ما فيه من عناصر حية مثل (  [ ... ]


تلوث الهواء

article thumbnail

الهواء هو كل المخلوط الغازي الذي يملأ جو الأرض بما في ذلك بخار الماء ، ويتكون أساسا [ ... ]


التلـــوث Pollution

article thumbnail

لقد عرف التلوث بطرق مختلفة فيها: أن التلوث هو وضع المواد في غير أماكنها الملائمة أو [ ... ]


دراسات و بحوث منوعة

التّوازنات والتّفاعلات الجيوستراتيجيّة والثّورات العربيّة

article thumbnail

تهدف هذه الورقة إلى تحليل أثر الثّورات العربية الجيوستراتيجي المحتمل إقليميًّا و [ ... ]


دراسة بعنون- علاقة إدارة الأزمات الإستراتيجيّة الدّوليّة بهيكل النّظام الدّوليّ - بقلم - خليل عرنوس سليمان

article thumbnail

خليل عرنوس سليمان سليم، صحفي وباحث مصري من مواليد 1977، حاصل على ماجيستير في العلوم  [ ... ]


الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ

article thumbnail

مقدمة: استراتيجيا الهيمنة: أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية، لمجلة «فورين أفيرز» عن [ ... ]


كتاب أليكتروني: 25 يناير أصالة شعب ..و. ضبابية نخبة (2)- دكتور محمد رؤوف حامد صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتب - كتب سياسية
نشرها :مركز (صبر-SBR) للإعلام والدراسات   
الأحد, 27 مايو 2012 11:24

فى الجرائد الإلكترونية – خاصة البديل والمحيط والوعى العربى –  وكذلك فى الأهرام والشروق.
دكتور محمد رؤوف حامد
د.محمد رؤوف حامد يكتب: الثورة فى بدروم ريا و سكينة
 الدستور – الأربعاء، 29 فبراير 2012
محتويات ذات صلة
د.محمد رؤوف حامد يكتب: الثورة فى بدروم ريا و سكينة


المشاهد للمسرحية الرائعة "ريا و سكينة" لاينسى أبدا النشوة التى كانتا عليها ريا و سكينة, ومعهما المعلم "حسبو", وهم يغنون "ياختى عليها, ياختى عليها .. ماجت رجليها, ماجت رجليها". وذلك بينما المسرح يستعد لمشهد كتم أنفاس الفريسة (اللى جت رجليها).
فى مثل هذا المشهد تتمثل حالة ثورة 25 يناير, وكأنها تماما الفريسة التى "جت رجليها" ويجرى الترتيب لكتم أنفاسها. بينما فى شخصيات ريا و سكينة, ومعهما حسبو, ثم بعد ذلك ممثل الحكومة الشاويش عب عال (أو عبد العال) يمكن رؤية تجمع من القوى صاحبة المصلحة فى التبكير بوضع نهاية ل "حالة الثورة", بعد أن جرى تحريفها عن مسارها.
فى فهم إستعدادات مشهد إنهاء حالة الثورة لاتهم أبدا النوايا, سواء عند البرلمانيين أو المجلس العسكرى, أو الجنزورى (ومن قبله شرف) وزملائهم. وإنما مايهم, على أرض الواقع, أن إخراج مصر عن مسار الثورة الذى أهلتها له عزيمة المليونيات التى أسقطت مبارك, لم يحدث عفوا, وإنما قد جاء من خلال توجهات وترتيبات, والتى لم تكن أبدا غائبة علن بعض أصحاب الفكر والرؤية, من قوى الثورة, ومن المتعاطفين معها.
أما عن الأركان والسيناريوهات فى إنهاء حالة الثورة, فلم تعد خافية على جماهير المواطن العادى وفى القلب منها الشباب, خاصة بعد المجزرة التى حدثت فى بورسعيد.
-         لقد إستُخدمت الثورة فى تشكيل برلمان جديد, وفى التحضير لإنتخابات رئاسة, بينما الثورة ذاتها لم تتمكن من تشكيل رأس جماعية لقيادتها, أو حكومة تدير البلاد بها, أو محكمة ثورة, تحاسب على جرائم تأخير البلاد وإحتكار وتوريث مقدراتها وأدوات تقدمها.
-         ولقد تحول بعض النابهين من المصريين الى حملات الدعاية لإنتخابات الرئاسة, كمرشحين محتملين بعد الثورة, بينما الثورة ذاتها لم تستكمل, بل وتمر من مأزق الى آخر صعودا وهبوطا, فى التعامل مع المجلس العسكرى و/ أو الحكومة, تماما كما يحدث فى لعبة "السلم والتعبان".
-         ولقد تواصلت بعض القوى السياسية مع الأجنبى (الأمريكان) برغم عدم إكتمال الثورة بعد, وحتى قبل تشكيل البرلمان, وأيضا برغم ماكان من رفض شباب التحرير اللقاء مع وزيرة الخارجية الأمريكية.
-         ولقد إستباحت القوى السياسية لنفسها ترك الثورة تُدار بالمليونيات من الميادين والشوارع, دون أى جهد جماعى منها (وبينهم نُخب شبابية) من أجل الإرتقاء المنظومى بالثورة, ومن أجل حسن الإستفادة, الثورية الوطنية, من عزم المليونيات.
-         ولقد تحالفت غالبية قيادات القوى السياسية من أجل المصالح (والتكتيكات) الإنتخابية, بينما هى لم تتحالف بنفس القدر من أجل الثورة ذاتها.
-         ولقد مر العام الأول من الثورة دون الشروع فى التفريغ المنظم للبلاد من الفساد, برغم أن فترة بداية الثورة تُعد الأكثر مناسبة لهذا الهدف, وبرغم أن الفساد (المتزاوج مع الإستبداد) كان هو الدافع الأم للثورة.
-         ولقد مضى عام فيما يسمى بالمرحلة الإنتقالية, والتى لم تكن كذلك إلا للإجهاز على عزم الثورة, وعلى أمن وأمان المواطنين, ولإبتداع إجراءات مضادة للإنسانية (مثل كشف العذرية), وبحيث تُشوه الصورة الذهنية للثورة, لتكون أداة للترويع وليس للتغيير الى الأحسن.
-         ولقد هرب الجميع (قوى سياسية وحكومة ومجلس عسكرى) من مسؤلياتهم فى الحفاظ على التحول الأخلاقى الثقافى العظيم الذى حدث للإنسان المصرى فترة بدايات الثورة, والذى تمثَل فى المواطنة (وإحترام الآخر) كمرجعية كلية, دون إعتبار للتباينات فى الخلفيات الدينية أو السياسية أو الجنسية (ذكر أوأنثى) أو الجغرافية أو العمرية  ... الخ. وقد كان هذا التحول جدير بالتأصيل.
-         ولقد ..., ولقد..., ولقد وصلت حالة الثورة الى حد الإنتقال "برجليها" الى البيروقراطية السياسية (بالبرلمان والرئاسة ... الخ), بالقدر الذى من شأنه أن يُحدث "بقرَطة" للثورة, أى إخضاعها للبيروقراطية السياسية التقليدية, وبالتالى "كتمها", بينما لم يُسمح لها (أو يؤخذ بيدها) لترتقى منظوميا و لتنجز لزومياتها.
وبرغم أن الأمر يبدو فى الظاهر لأشباه "ريا" و "سكينة" و "حسبو" و "عبعال" (أو عبد العال) أن الفريسة, أو حالة الثورة, هى فى الطريق الى نهايتها, إلا أن الأمر يكمن فى حسابات ليست فى حسبان جماعات المصالح الخاصة, والتى تتضمن التالى:
1-   أن النموذج الإسترشادى لدولة مصر مابعد الثورة, وحتى الآن, لم (ولا) يلبى إحتياجات وآمال وإمكانات جماهير المواطن العادى, وفى القلب منها جماهير الشباب, فى وطن يقدر على التقدم بالحرية والعدالة والكرامة الى آفاق عليا غير محدودة.
2-   أنه وإن كان جزءا  من الشباب قد ظن خطئا أن رسالته فى الثورة تقتضى أن يدخل البرلمان, فإن الجزء الأكبر جدا من الشباب ظل وسيظل على قناعته بأن إنجاز أهداف الثورة يعلو على الإسراع بالترشيح للبرلمان (أو للرئاسة).
3-   أن المواطن العادى فى مصر قد تغير, ونزع اللامبالاة عنه.
4-   أن شباب الثورة يتجدد بالخبرة, وبشباب جديد من الأصغر سنا ,صبيانا وبناتا, والذين سيستفيدون من خبرات وأوجاع سابقيهم.
5-   أن شعوب العالم جميعه تعيش الآن مدا ثوريا يتصاعد بالتدريج, وأن الشرعية فى المستقبل ستكون للمصالح العليا لجماهير المواطن العادى, حيث ستتعمق عدالة "الوطننة" ضد أنانية "نيوليبرالية" العولمة.
الثورة إذن مستمرة, ولكن المشكلة تكمن فى إرتفاع تكلفتها فى الأرواح والزمن والمعاناة. وإذا كان صلف نظام مبارك (وما حفل به من جهل وغباء) قد أدى الى رفع تكلفة التأخر المتسارع لمصر على مدى ثلاثة عقود, إلا أنه لم يمنع سقوطه. إنه إذن لدرس جدير بالإعتبار بواسطة سائر القوى السياسية.
ولأن المسألة هى فى النهاية ليست مسرحية بل ثورة ومستقبل أمة قادرة على الإرتقاء الى تقدم متفرد (بأكثر مما قدرت عليه نماذج مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية ...الخ), فإننا فى نفس الوقت الذى تنشغل فيه البلاد بما قد يؤدى الى "بقرطة" الثورة, نجذب الإنتباه الى ضرورة العمل من أجل "مأسسة الثورة", وهو موضوع جدير بتناول قائم بذاته.

 

(18)
أزمة الثورة و .. إشكالية ( النخبة)
مجلة الوعى العربى - 1مارس 2012
Contributed by زائر on 9-4-1433 هـ
Topic: مقالات سياسية

 

أزمة الثورة و .. إشكالية"النخبة"
دكتور محمد رؤوف حامد
البعض يرى أن مشكلة ثورة 25 يناير تتلخص فى أنها لم تستلم السلطة. هذا حقيقى, ولكن الحقيقة لاتكون ناضجة إلا بمعرفة السبب, والذى يتمثل – أساسا - فى سؤ حال القيادات. ذلك حيث "القيادة" (أو النخبة) فى مصر تعتبر إشكالية وطنية مزمنة.
الخطورة القصوى لهذه الإشكالية, لاتظهر فقط فى قدرتها على إلتهام مستقبل الثورة, بل وفى إلتهامها بالفعل لإمكانات تقدُم مصر, دولة, وشعبا, على مدى أكثر من نصف قرن مضى. وبالتالى إذا إستمرت هذه الإشكالية بغير مجابهة, فكأن الثورة لم تكن.
فى عهد ثورة يوليو تمثلت إشكالية القيادة فى وقوع البلاد أسرى "كاريزما الفرد" القائد. ورغم عِظم قدر هذا الفرد, إلا أنه كان من الطبيعى أن تبزغ, بالتوازى مع كاريزمته, مراكز قوى, تعرقله هو كقائد, وتلحق بمصر هزيمة عسكرية كبيرة. وفى ظل ذلك, أتت الأوضاع بالسادات قائدا, فمارس "أحادية التوجه", مما أدى الى ذهاب قيادة البلاد, بعد إغتياله, الى من قام نظامه بأعلى قدر من "القيادة بالإفساد", و "إفساد النخبة" فى عموم مصر على مدى تاريخها الحديث.
من هذا المنظور, لا يستطيع طرف من أطراف قيادة الشارع السياسى بعد الثورة, بما فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة, أن يدّعى (أو يتصور) أنه أعلى من إشكالية (وأمراض) القيادة فى مصر.
وعليه, لايمكن لأزمة الثورة أن تنفرج, فى إطار يؤدى الى إستكمال الثورة وحمايتها, إلا بالقبول والرضا من كافة أطراف الشارع السياسى الوطنى بعد الثورة (وعلى رأسها المجلس الأعلى للقوات المسلحة) بممارسة علاج الذات من هذه الإشكالية.
وهكذا, يجتهد الطرح الحالى فى جذب الإنتباه الى الزوايا والمناطق الحرجة التالية, بخصوص "إشكالية – وأمراض – القيادة (أو النخبة)", فيما يتعلق بثورة 25 يناير:
أولا – سؤ إستخدام حالة الثورة:
1)    إستباحة القيادات لأخلاقيات الدعوة للمليونيات:
برغم عظمة المليونيات التى أنجبت الثورة, إلا أن البعض من قادة التيارات السياسية (أو ممن يُشار اليهم بالنخبة) صاروا يستخفون بها. إنهم يسارعون بإستدعاء المليونيات, من وقت لآخر,عند أى عدم قبول جانبى منهم لأية مستجدات من المجلس الأعلى أو الحكومة.
المراد الإشارة اليه هنا ليس إستخدام المليونيات كفزّاعة, وإنما التجاهل, أو الجهل, تجاه مايمكن إعتباره آداب (أو أخلاقيات) الدعوة للمليونيات, والتى تتمركز فى (وتنبع من) حقيقة, وقيمة, أن المليونيات تختص بالشعب ككل, أى كل الناس الذين صنعوها من أجل إسقاط النظام السابق, دون أية حواجز أو تفرقة على خلفية الجنس, أو الدين, أو التيار السياسى, أو العمر, أو الجغرافيا, ... الخ. 
المليونيات - إذن - لاتختص بفصيل سياسى من قوى الثورة دون آخر, وبالتالى لايجوز تجزئة الدعوة إليها بين فصائل وتيارات هذه القوى.
 وبالإضافة الى أن هذه التجزئة تؤدى الى إضعافها, والتدنى بقيمتها, فإنها تعنى تحول الشعب الى "أداة" من منظور جماعات من النخبة, والتى تستبيح الدعوة للمليونيات دون توافق وطنى, الأمر الذى يُعدُ - برُمته – خروجا على شرعية ثورة 25 يناير (كثورة شعبية), وإهدارا لها.
2)    التهاون فى مسؤلية إنشاء "مجلس قيادى جماعى للثورة":
الحقيقة أن القيادات (أو النخبة) تتخلص من عبء واجبها فى تشكيل قيادة جماعية للثورة, بإحالة (أو "رمى") عبء مسؤلية القيادة الفعلية للثورة لتكون على عاهل المليونيات. وبينما هذا الوضع يشى بضعف و أنانية  القيادات (أو النخبة), الى جانب جرأتها فى سؤ الإستخدام للمليونيات (أو للشعب), فإن من المستحيل عمليا أن تتقدم حالة الثورة عن طريق إدارتها بهذه المليونيات.
المليونيات تظل التعبير الأكبر (والإطار المرجعى) لإرادة الشعب, لكنها لن تكون - أبدا - المكتب التنفيذى لإدارة الثورة. إنها الجمعية العمومية للثورة, ومن الممكن أن تجتمع بالتنادى بين أعضائها, كما حدث فى الأيام الأولى للثورة, أو بالدعوة من "مجلس قيادى جماعى للثورة", الوضع الذى لم يتحقق بعد, وتهاونت بشأنه الكوادر والقيادات.
وعليه, فإن إستباحة بعض التيارات السياسية للدعوة للمليونيات, فى غير توافق وطنى يُصنع بواسطة قيادة جماعية للثورة, هو مزايدة على حالة الثورة, والتفاف غير إخلاقى حولها, حيث يتجه – فى الأغلب - الى مصالح ذاتية, ويسىء إستخدام ظروف الأمية السياسية والفقر عند شريحة كبيرة من الشعب, الأمر الذى يمكن أن يعتبر من منظور الفكر السياسى (و دارسى التاريخ), نوع من التلاعب بالشعب, وبثورته. 
3)    إستحضار الإنتخابات من خارج الثورة:
من الثابت أن الطريقة التى جائت بها الإنتخابات, جعلت منها مفاجئة لقطاع كبير من قوى الثورة. ذلك بمعنى أنها لم تأتى بترتيب نابع من هذه القوى, بحيث تكون خادمة لمسار ثورى مُتوافق عليه. 
من ناحية أخرى, كان من الممكن أن تكون الإنتخابات أداة غنية لتوكيد حالة (ومنجزات) الثورة, إذا ماكان قد جرى إستحضارها فى سياقات ناجمة عن النجاح فى التأسيس (والبدء) لمسارات تغييرية منظومية تختص, على الأقل, بما يلى:
-    تفريغ البلاد من الفساد.
-    تغيير السياسات العامة.
-    التحول الثقافى, فى إتجاه تأصيل الكود الأخلاقى الذى تأسس فى ميدان التحرير (والذى كان مضادا للفتنة ومؤكدا للمواطنة الناضجة التامة), وتحجيم الإنعكاسات السلبية للجهل والفقر على الشأن السياسى.
أما وأن تأتى الإنتخابات بينما متطلبات (أو لزوميات) التحول الثورى لم تتأسس, فإن النتيجة الطبيعية تتضمن مناورات سياسية, وتفتتات لقوى الثورة, وتمكينات للقوى المضادة.
وهكذا, الإنتخابات فى سياقاتها القائمة تقتحم حالة الثورة, وليست متممة لها.
4)    سباق المرشحون لرئاسة الجمهورية:
 لقد قام عدد من أشرف نبهاء مصر, ممن يطمحون فى قيادتها من خلال منصب الرئاسة, بإنتهاز التحولات الناجمة عن ثورة 25 يناير, للقيام بجهود دعائية مكثفة تفوق بكثير ماكان ينبغى أن يقوموا به, ككوادر قيادية, من أجل تثبيت وإستقرار حالة الثورة.
إنه تسارع لايخدم المسار الثورى, بل و يتوافق, ولو من بعيد, مع طبائع وطموحات البزنسة, الأمر الذى, مع تحاشى إلتصاقه بأى منهم, إلا أنه يدل على إلتباسات فى مهام النخبة, حتى على هذا المستوى.
ثانيا – التسارع فى إتجاه "بقرطة" الثورة:
المقصود ب "بقرطة الثورة" bureaucratization of the revolution     , تحولها الى البيروقراطية السياسية التقليدية, من تدافعات وصراعات وتداعيات إنتخابية, فى غير توافق مع (ودون إتمام ل) لزوميات ومتطلبات حالة الثورة.
الأمر المفجع هنا (حركيا وتاريخيا) أن الثورة, والتى من المفترض أن تُحدث تغييرات جذرية (فى التوجهات العامة ومقاومة الفساد ...الخ), إذ بها تخضع للتحولات البيروقراطية قبل أن تؤسس للتحولات الثورية.
يُذكر هنا أن كوادر وقيادات القوى الثورية والتيارات السياسية قد بذلوا جهودا فى الإجتماعات والتواصلات من أجل التحالفات الإنتخابية, أكثر بكثير مما كانوا قد بذلوه بخصوص متطلبات ولزوميات الثورة.
التسارع فى بقرطة الثورة, دون إنجاز للزومياتها, ودون رؤية لمسارها, يدفعها الى الذوبان (والتلاشى) السريع فى مسار التجربة والخطأ, والذى يكون (خاصة فى بداياته) أكثر مناسبة وفائدة للإتجاهات المتطرفة وللقوى المضادة. كل ذلك قبل أن تصنع الثورة نموذجها الإسترشادى The Revolution’s Paradigm , والذى من المفترض أن يكون إطارا مرجعيا للممارسات السياسية التالية (ومن بينها الإنتخابا ت).
هذه البقرطة (والتى من شأنها أن تقضى على حالة الثورة) تعنى قبول خفض مستوى منصة إنطلاق مصر الى مسار التقدم, وبالتالى تلاشى إلتحاقها بمصاف الدول المتقدمة (إجتماعيا وتكنولوجيا وإقتصاديا) فى زمن قريب, كما كان مأمولا بفعل الثورة.
وهكذا, الكارثة الكبرى هنا أن الكوادر والقيادات السياسية (بما فيها المجلس الأعلى) قد إرتضت "التطبيع" بين حالة الثورة وبيروقراطية التجربة والخطأ, بغير (وقبل أوان) إنضاج المسار الثورى.
ثالثا – الشواش السلوكى المرضى عند النخبة:
1-    هيمنة القديم (أو الشائع) فى تسميات القيادات الجديدة:
من الغريب, برغم حالة الثورة,  أن الإختيارات للقيادات, سواء كوزراء, أو كقيادات داخل الوزارات, أو حتى فى الإنتخابات الجديدة لرؤساء الجامعات, تذهب فى الأغلب الى قيادات من نجوم العهد السابق. حيث تكاد تكون قد ألغيت تماما فرضية الإختيار ممن عُرفوا بمقاومة الفساد, وبإمتلاكهم الخبرة التكنوقراطية العالية, وبممارسة عملية للثورة فى مجالات تخصصاتهم.
عوامل عديدة تقف خلف هذه الظاهرة. من ذلك, مجرد التعود, حيث اللاوعى يقود الى قبول أسماء معينة لشهرتها, أو لسبق قيامها بمهام المنصب.
وإذا كان اللاوعى هنا يتدخل سلبيا بدون قصد, فإن الأخطر  هو أن يجرى تجنب التسمية بواسطة رفاق طريق النضال ضد النظام القديم, الأمر الذى يتشابه مع "إما أنا, أو الطوفان".
بمعنى آخر, كوادر وقيادات نخبة الثورة لم تقم بالحد الأدنى المطلوب من الجهد (وإنكار الذات) من أجل الإصرار على تولى الحكومة الإنتقالية بواسطة أبناء وقيادات الثورة.
من هنا لاتوجد حاجة للإستغراب أن حكومات المرحلة الإنتقالية ليست أبدا حكومات ثورية, وأنها, فى معظم أعمالها, لم تأتى بتغييرات فى التوجهات والمسارات والكوادر, بل قد عززت توجهات تخلف أو فساد إختص بها النظام السابق, كما تساهم فى ترحيل (أو دحرجة) الثورة.
2-    الخلط بين مهام القيادة ورسالة المفكر:
الدور الأصيل للقائد هو أن يكون مُيسرا ومنشطا للآخرين. غير أن القيادات التقليدية فى معظم الكيانات السياسية القائمة يتصورون أنهم - بالضرورة - مفكرون.  وتكون النتيجة أنهم لايحسون بأهمية الفكر, ويتجنبون الإستعانة بالمفكرين. يتوائم ذلك تماما مع ندرة اللجوء المنظومى, من قادة الكيانات السياسية (ومن المجلس الأعلى للقوات المسلحة), الى المفكرين للإستعانة بتصوراتهم بشأن المرحلة الإنتقالية, أو بشأن التعامل مع مهام ومشكلات مابعد الثورة (مثل الأمن ومتطلبات الإرتقاء الإقتصادى...الخ).
النتيجة الحتمية لذلك تكون مسخ الثورة فى إجراءات غير ناضجة, وغير قائمة على الرؤية.
3-    التعود على التعامل المنفرد (أو الخاص) مع الرئاسة:
إذا كانت القيادات السياسية التقليدية فى زمن مبارك, قد درجت على السعى الى العزف المنفرد فى التعامل مع الرئاسة,  فإن نفس السيناريو يظل يحدث بعد الثورة, من خلال تجنب تكوين سلطة جماعية لقيادة الثورة, تكون لها صلاحية التعامل "الندى" مع المجلس الأعلى فى توجيه شؤن البلاد, وليس رفع الطلبات, كما كان يحدث سابقا.
4-    تجنب الطريق المستقيم (كأقصر وأصلح الطرق) فى التعامل مع الآخر:
هنا تأتى الإلتفافات بين النخب السياسية المختلفة, حول واجباتها بشأن تشكيل قيادة جماعية للثورة, حيث الكل يبغى الإنفراد بالزعامة, الأمر الذى يدفع الى تآكل الثورة ذاتها.
وهنا أيضا تأتى حيوادات المجلس الأعلى عن المقاربة المنظومية مع قوى الثورة, وذلك الى الحد الذى أدى به – كما تبين من تصريحات بعض رموز العمل الوطنى –  الى اللجوء للتعرف على رؤى بعض هؤلاء الرموز, من خلال لقاء صريح لهذا الغرض, يجمعهم برئيس المخابرات العامة.
5-    إستسهال تجنب التفكير والإحساس من منظور تفكير وإحساس الآخرين:
فى هذا الشأن يمكن القول بان ممارسات عديدة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة (مثل تلك التى تتعلق بالإستفتاء, والمحاكمات العسكرية, ووضعية الأمن العام, وتوجيه إتهامات لبعض فصائل قوى الثورة, وماقيل عن كشف العذرية...الخ) لم يحدث بخصوصها الحد الأدنى الكافى من الإجتهاد فى التفكير أو الحس من منظور الآخر, السياسى أو الشعبى, وبما يتناسب مع حالة الثورة.
وبالتالى, كان من الطبيعى أن يتصاعد الغضب الشعبى ضد هذه الممارسات, وضد المجلس الأعلى ذاته, فى غياب مقاربات منظومية معلنة من جانبه, مع كيانات قوى الثورة, ومع الجماعات الفكرية.
رابعا – القصور فى التوصل الى النموذج الإسترشادى الخاص بالثورة:
مابُنِىَ حتى الآن من هذا النموذج هو من صنع الجماهير, وليس للنخبة فضل رئيسى فيه .إنه يتمثل فى "الجماعية" و "السلمية", وقد إنتقل الى حركيات وثورات عربية وأجنبية أخرى, بمافيها الولايات المتحدة وإسرائيل.
 لقد حدث القصور فى إستكمال بناء النموذج الإسترشادى الخاص بالثورة المصرية, بالرغم من الإستجابة السريعة من جانب المجلس الأعلى للضغوط الجماهيرية, خاصة فى بداية الثورة.
خاصية الإستجابه هذه لم تصادف الفهم الإستراتيجى والتكامل العملى من جانب كوادر وقيادات قوى الثورة, والتى تكاسلت عن (و هربت من) مسؤلية بناء سلطة جماعية للثورة.
لقد كان من الممكن لهذه السلطة أن تكون قادرة على التعامل مع المجلس الأعلى, بمنظومية (وبندية), مما كان سيقود الى التآذر بين الجميع (سلطة الثورة, والمجلس الأعلى, والحكومة) تحت مظلة  الشعب, لرسم مسار الثورة, وتحديد سقفها, ووضع سيناريو المرحلة الإنتقالية, وإنجاز التحولات, بشكل أمثل, وبيُسرأكثر. 
وفى ظل غياب النموذج الإسترشادى للثورة, جرى تشكيل, وإعادة تشكيل, الحكومات الإنتقالية بطريقة أقرب الى العشوائية (والعشوءة), حيث لم تتأسس الترشيحات على رؤى وسيناريوهات وطنية معلنة.
كانت الثورة ستكون أكثر فعالية, وكان الشارع سيكون أكثر أمنا, لو أن من يطلق عليهم النخبة (من كوادر وقيادات سياسية) كانوا قد إرتقوا الى مستوى الجماعية التى إرتقى اليها الإنسان المصرى العادى.
المسألة إذن أن أوضاع الثورة المصرية تقول بأن الإنسان المصرى العادى هو فى جماعيته أنضج و أرقى من النخبة, وتقول أيضا أن إفتقاد النخبة للقدرة على صنع الجماعية قد حرم مصر من فترة إنتقالية فاعلة وكفئة. وأن ذلك النقص قد حرم شعوب المنطقة من الإستفادة بنموذج إسترشادى مصرى صميم.
خامسا- ضعف "التأمل الإستراتيجى" وتدنى العناية بالمنهج:
تحفل مصر الآن ب "هيصة" عنيفة. هذه الهيصة مُشاهدة فى كل من الشارع السياسى والشارع الأمنى. وكلا من الشارعين يُعضد ويُفاقم من هيصة الشارع الآخر, مما يجعل اللانظام يتصاعد بسرعة, ويقود البلاد الى الغرق فى رؤى متعارضة, محدودة الأفق ومتدنية المستوى, تأتى من (وتذهب الى) كل الإتجاهات.
فى ظل ذلك الوضع يكاد "التأمل الإستراتيجى" ينعدم, وتكاد الناس لاتدرك بأبعد مماترى عينيها وتسمع أذنها.
ومع إنعدام "التأمل الإستراتيجى" تصبح البلاد أسيرة اللحظة وبعيدة عن الثورة. إنها حالة مرضية تستوجب الحذر, وتستدعى التدارك للعيوب الإستراتيجية التالية:
-    أن الطلبات التى صدرت بإسم قوى الثورة حتى الآن هى – فى الأساس – طلبات إجرائية, وليست إستراتيجية, مما ساهم فى تقصير "النفس التخطيطى الثورى" لكافة الكيانات السياسية على الساحة.
-    أن خُلو طلبات الثورة من الإستراتيجيات, وغياب "مجلس قيادى جماعى للثورة", قد أديا الى قدر من التقزم فى رؤية المجلس العسكرى لدوره الذاتى تجاه الثورة, الأمر الذى إنعكس فى تردى قدرات الحكومة وأوضاع الأمن, وتصاعد حاد فى النقد تجاهه.
-    وقوع كوادر النخبة, سواء قبل الثورة مباشرة, أو بعدها, فى مصيدة الرؤى والحركيات قصيرة الأجل, صغيرة الحجم, منخفضة المستوى. من أمثلة ذلك طبيعة الخلافات بين البرادعى والجبهة الوطنية للتغيير, وضعف الترشيحات للمناصب الحكومية, وتفاقم الصراخات والتصريحات (فى الفضائيات وغيرها) كبديل للمجابهات التصحيحية والخططية...الخ.
-    غيبة الإهتمام بالطريقة, أى المنهج  Methodology   . الغريب (والجميل) هنا, أن المواطن العادى كان أقرب الى الطريقة السليمة فى الأيام الأولى للثورة, مما عليه الحال عند النخبة السياسية الآن.
-    أنه فى ظل العيوب سالفة الذكر, يكون الخطر على البلاد مُرَكبا, ويمكن أن يقع بشكل مفاجىء. ليس فقط بسبب تدنى الرؤية فى الداخل, وإنما أيضا بفعل إستراتيجيات أجنبية تهدف الى إستيعاب المنطقة بكاملها, وعلى رأسها مصر.
وهكذا, فى التعامل الصريح مع "إشكالية النخبة" يكمن الطريق الى إستكمال الثورة وحماية وإرتقاء البلاد, وللحديث بقية.

(19)

 

الدكتور محمد رؤوف حامد  مَأسسة الثورة المصرية
  راسل الكاتب
26/3/2012
المسألة إذن أن الأحداث الجارية تُعظم الإدراك بأن منحنى الإنحدار فى حالة الثورة يتواصل فى تسارع ملحوظ, وأن السعى الى "مأسسة الثورة" ربما يكون الإجراء الوحيد (أو الأساسى) الذى يمكن من خلالة المحافظة على حالة الثورة وإنقاذها. ذلك حيث لا التظاهرات المتقطعة, و


http://www.misrians.com/articles?2290
مَأسسة الثورة المصرية

النظرة بواسطة عين طائر محلق فى السماء على أوضاع الشارع السياسى المصرى تكشف مشهدا دراميا يجمع بين "السخرية" و "الإرتداد" و "الجمود".
شكل المشهد الدرامى لحالة الثورة:


"السخرية" تتجلى فى إستغلال الثورة فى حياكة إنتخابات برلمانية ورئاسية تستحضر قيادات وتوجهات (أو مسارات) تُعد – الى حد كبير – دخيلة (أو غريبة) على حالة الثورة ذاتها. ذلك بينما الثورة نفسها لم تتمكن من صنع رأس جماعية لقيادتها (!؟!).

وأما "الإرتداد" فقد حدث فى قوة الدفع الثورية الإبداعية التى أنجزت عملية "خلع" مبارك. لقد تشكلت قوة الدفع هذه من الجمال الأخلاقى الوطنى العظيم, والذى تجسم فى "الجماعية" التلقائية لملايين المواطنين العاديين. إنها الجماعية التى إستحضرت أحلى ما فى التاريخ المصرى, وهو القبول والإحترام والحماية للآخر (ولمصالح الوطن والمواطنين), بصرف النظر عن أية تباينات فى الدين, أو الجنس (ذكر أو أنثى), أو المستوى المعيشى, أو العمر, أو الخلفية الجغرافية أو العرقية ...الخ.

وبرغم أن "جماعية" المواطن العادى هى التى صاغت شعار الثورة (عيش – حرية – كرامة – عدالة إجتماعية), فقد حدث لها إنحسار تدريجى بفعل عمليات "عشؤة" منظمة, وذلك حتى تبدلت "مليونيات الثورة" بالإضرابات و الإنتفاضات الفئوية, فى كافة أرجاء الوطن.

لقد إضطر المواطن العادى (نتيجة إحساسة بضياع الثورة منه) الى العودة للإحتجاجات الفئوية, وذلك على غرار ما إضطر لممارسته قبل الثورة ضد نظام مبارك.

وعن "الجمود", فقد إبتلى القوى والحركيات التى مهدت (أو هيأت) البلاد لحالة الثورة [كفاية – 6 إبريل – الجبهة الوطنية للتغيير ... الخ]. لقد تعمق جمودهم بتفتتهم, وبتخليهم عن صنع رأس (جماعية) لقيادة حالة الثورة, وبالإستكانة الى الإعتماد على المليونيات, كأداة وحيدة للثورة, دون بذل الجهد لتحقيق الإرتقاء المنظومى لها.

هذا الجمود الذى أصاب القوى والحركيات السياسية سهّل إختطاف الثورة, وساهم فى إنفصال جماهير المواطن العادى عن المليونيات, هروبا إضطراريا الى الإحتجاجات الفئوية.

لقد إنحسروا جميعا عن ميدان التحرير, وعادوا الى سابق ممارساتهم فى عهد نظام مبارك, مثل وقفات الإحتجاج أمام دار القضاء العالى, أو على سلالم نقابة الصحفيين, أو الى جمع قوائم التوقيعات على مطالبات مناهضة للنظام الحاكم, والذى قد تبدل فى ظل الثورة ليكون برلمان ما يعرف  بالإسلام السياسى, إضافة الى "الجنزورى" والمجلس العسكرى.
المسؤلية عن إنحدار حالة الثورة:


هذا المشهد المركب (من السخرية والإرتداد والجمود) ينطق بأن مايجرى حتى الآن من تغييرات مؤسسية, فيما بعد الثورة, لم يأتى على الإطلاق نتيجة رؤى إستيراتيجية ممثلة للثورة أو مرتكزة على غاياتها. إنما – على العكس – هو إمتداد صريح (وعلى المكشوف) لأوضاع الشارع السياسى المصرى وقت نظام مبارك, وذلك رغم غياب مبارك وولديه وزوجته ولجنة السياسات, حيث قد تبدلت سلطتهم بسلطة  مايطلق عليه "الإسلام السياسى".

هنا يخطىء البعض عندما يظن أن إشكالية تشكيل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور قد "فضحت" عمليات خروج الإجراءات السياسية الجارية, بما فيها كل من الإنتخابات البرلمانية والرئاسية, عن حالة الثورة. ذلك أن كافة الحيودات كانت معروفة ومتوقعة منذ مابعد الثورة بأيام (خاصة مع تشكيل لجنة التعديلات الدستورية والتجهيز لإستفتاء 19 مارس). إنما الحقيقة أن إشكالية تشكيل لجنة صياغة الدستور تمثل "القشة" التى كشفت (أو وثّقت) ما إعترى حالة الثورة وقواها من تناقض ساخر, وإرتداد وجمود.

وإذا كانت قد جرت الإشارة مؤخرا الى أن حالة الثورة تتعرض للإغتيال, وأن إنقاذها يستدعى "مأسسة الثورة" (الثورة فى بدروم ريا و سكينة – الدستور الأصلى - 29/ 2/ 2012), فإن الإنتباه لشدة الإحتياج الى هذه "المأسسة", بإعتبارها بوصلة طريق إنجاز الثورة لمهامها, ليس بالأمر الجديد. ذلك أن الإدراك بحدة الحاجة اليها كان مصاحبا لملابسات حركيات الشارع السياسى منذ بزوغ الثورة, وحتى منذ ماقبل بزوغها [ مايلزم ومالالزوم له فى المرحلة الإنتقالية (البديل 2/ 3/ 2011) –  وزارة مقاومة الفساد التى غابت عن تصريف الأعمال (البديل 9/ 3/ 2011)-  إحتياجات الإرتقاء بالثورة (البديل 1/ 5/ 2011) - ورشة عمل  .. الرأس الغائبة فى الثورة المصرية (البديل 28/ 7/ 2011)- التلكوء الإستراتيجى ومستقبل الثورة (الأهرام 22/ 9/ 2011) - مصير ثورة 25 يناير بين عزم المليونيات ومخالب العشؤة (الدستور الأصلى 17 /9/ 2011) - الثورة بحاجة الى إعادة توليد المرحلة الإنتقالية (البديل- 18/ 10/ 2011) - أزمة الثورة .. عناصرها ومداخل تخطيها (البديل – 14/ 11/ 2011) – الهيئة العليا لإستكمال وحماية الثورة (الشروق 28/ 11/ 2011) – ثورة 25 يناير: من أين والى أين؟ - سلسلة إقرأ – دار المعارف – 2011].

المسألة إذن أن الأحداث الجارية تُعظم الإدراك بأن منحنى الإنحدار فى حالة الثورة يتواصل فى تسارع ملحوظ, وأن السعى الى "مأسسة الثورة" ربما يكون الإجراء الوحيد (أو الأساسى) الذى يمكن من خلالة المحافظة على حالة الثورة وإنقاذها. ذلك حيث لا التظاهرات المتقطعة, ولا تجميع العرائض والتوقيعات, ولا الدعوة الى مقاطعة إنتخابات الرئاسة, ولا الإحتجاجات الفئوية المنفردة, ولا خطوات جانبية طيبة (مثل برلمان الشباب) مهما كانت مثاليتها, يمكن وحدها أن توقف التسارع فى إنحدار حالة الثورة.

وبالرغم من أن إمكانية المأسسة وقت بزوغ الثورة (يناير/فبراير 2011) كانت أكبر منها فى أى وقت لاحق, وأنها تتضائل أكثر وأكثر مع مرور الوقت, إلا أن الإجتهاد فى إنجازها الآن (وتوا) يُعد – عمليا – أفضل من الإنتظار الى أن تُغلق حالة الثورة ب "الضبة والمفتاح", بفعل حيودات إنتخابية أو دستورية تقضى عليها, بالإعتماد على تكبير (أو داروينية) عوامل الضعف المجتمعى (مثل: الجهل والفقر).
المعطيات الدافعة الى مأسسة الثورة:


فى هذا الخصوص, يمكن القول بأن الإنطلاق الى الترتيب لمأسسة حالة الثورة يرتكز على معطيات وحقائق واقعية, لايزال لها الفهم والقبول فى الشارع السياسى المتضمن  لجماهير المواطن العادى.

من أبرز وأهم هذه المعطيات والحقائق يمكن الإشارة الى:
1)  عدم تحقيق مامضى من المرحلة الإنتقالية لما كان يُنتظر إنجازه من مهام رئيسية مثل:
*   التفريغ المنظومى للبلاد من الفساد.
*   إنشاء "محكمة للثورة" كأداة لإقتلاع ماسرى فى مصر من إستبداد, وزواج بين السلطة والمال, وللمحاسبة على ماإعترى البلاد من عجز وتخلف.
*   نزول الثورة الى وحدات العمل فى سياقات منظومية تدفع الى التمكين, والى تطوير الإنتاج من قلب مقاومة الفساد.
*   رسم مسار لإرتقاء حالة الثورة بحيث تصل الى السقف المأمول لإنجازاتها.

2)  عدم ممارسة الثورة لقيادة البلاد (أو عدم قيادة البلاد بواسطة حكومة ثورة).

3)  تحول نفر من أهم من أنجبت مصر الى مرشحين محتملين للرئاسة منذ بداية الثورة, وإنصرافهم الى الأنشطة الدعائية على حساب ماكان يمكن أن يقدموه لحالة الثورة. ومن ناحية أخرى, تقليص غير طبيعى لفترة الدعاية الإنتخابية, بما يُقزم من فرصة مرشحين محتملين جُدد ممن لم يتخلوا عن حالة الثورة منذ بزوغها (مثل خالد على المحامى). ذلك إضافة الى مناورات مضادة, غير مباشرة (وغير مسؤلة), ضد أول مرشح محتمل للرئاسة (د. البرادعى), وذلك بالرغم من مقاربته مع حالة الثورة منذ بزوغها, وبرغم أنه كان الوحيد الذى قد صرح, قبل الثورة, بإحتمال ترشحه (ضد مبارك أو إبنه).

4)  تعرض حالة الثورة (فى غيبة المأسسة) لمخالب "العشوءة" من جانب القوى المضادة للثورة, أو غير المتعاطفة معها (مذبحة بورسعيد نموذجا). ثم إمكانية تعرض حالة الثورة لما يمكن تسميته ب "البقرطة السياسية", وذلك بمعنى قيام البيروقراطية السياسية التقليدية لمؤسسات الدولة (والتى تكون قد تشكلت – بالإنتخابات – بعيدا عن حالة الثورة وبالتناقض معها )  بكبت حالة الثورة, والتى لاتزال – عمليا – فى بداية مسارها, بعد أن جرى تعطيلها فيما مضى من المرحلة الإنتقالية.

5)  أن مايجرى حاليا من مأسسة تقليدية للشارع السياسى لايُعد ناهيا أو بديلا لحالة الثورة. ذلك بمعنى أن هذه المأسسة تظل جزءا من المرحلة الإنتقالية, وربما يمكن أن تكون  (فى أحسن الأحوال) سامحة لبداية أكثر تنظيما – نسبيا – لهذه المرحلة (وذلك بالرغم من قدومها على أثر – وفى سياق – العشوءة , وبالرغم مما يُتوقع منها من بقرطة).

6)  أن إنتفاضة الثورة لم تجىء بالإنتخابات, وهى يمكن أن تستمر (و/أو تتجدد) بصرف النظر عن الإنتخابات, وذلك إذا لم تسعى مخرجات هذه الإنتخابات (البرلمانية والرئاسية) الى الإنضواء – بقدر الإمكان –  للعمل تحت مظلة حالة الثورة, وإذا لم تضع على أولوياتها إستحقاقات هذه الحالة.   
منهجية الطريق الى المأسسة:


أما عن المنهج الخاص بإنجاز المأسسة, فيمكن جذب الإنتباه – بإيجاز – الى أنه  يتشكل من التضافر (و التناغم) بين كل من "فكر المأسسة" و "حركية المأسسة", تماما كما لو كانا (الفكر والحركية) جناحين لطائر, والذى هو هنا "مأسسة الثورة".

الفكر الخاص بالمأسسة (أوجناحها الأول) يتضمن ثلاث عمليات رئيسية تتكامل (وتتتام) مع بعضها.
العملية الأولى تتعلق بتحديد تفصيلى لأهداف الثورة, وذلك على مستويات ثلاثة, هى المستويات "الإجرائية" و "الوظيفية" و "الإستراتيجية".

فى هذا الشأن يمكن القول (بإختصار) بأن ماجرى منذ بزوغ الثورة حتى الآن قد لمس بعض (وليس مجمل) الأهداف الإجرائية, وأنه لم تجرى أية مقاربات حقيقية للأهداف الوظيفية أو الإستراتيجية. ذلك يعنى إدخال البلاد فى غياهب العشوائية والعشوءة والشواش, أى الضياع. وقد حدث بالفعل ضياع فى الزمن والجهد والأرواح, الأمر الذى تشهد عليه إشكاليات ومشكلات مثل: "وضعية المحاكمات" و "تفشى البلطجة" و "إتساع الإضرابات" و "إستمرارية الفساد" و "ممارسات جسيمة للقوى المضادة للثورة".

وأما العملية الثانية فتختص بالهيكلة البنائية (بمعنى المؤسسات والعلاقات البينية).

ثم تأتى العملية الثالثة والتى تقصد الى رسم مسار الثورة (أو الهيكلة الزمنية لمهامها) وحتى الوصول الى سقفها, والذى يعنى "التغييرات التى بإنجازها تدخل البلاد الى سلاسل التطور والتغيير دون الحاجة الى ثورة جديدة".  

أما بخصوص "الحركية" (أو الجناح الثانى للمأسسة) فتتضمن تأسيس كيان (أو جبهة) لتمثيل ثورة 25 يناير. من الطبيعى أن ينشأ هذ الكيان من خلال ورشة عمل تضم المؤسسات والجهات التى ساهمت فى تهيئة الشارع السياسى للتغيير (وعلى وجه الخصوص كفاية و 6 إبريل والجبهة الوطنية للتغيير وعمال المحلة), و الشباب الذى صنع الإنتفاضة التى قادت التغيير يوم 25 يناير, وتواصل جهده حتى تم إسقاط مبارك, والمفكرين والنشطاء الذين تحملوا معاناة إنجاز التغيير من خلال مجابهة قوى وممارسات وقيم النظام السابق, سواء فى ساحات القانون ومقاومة الفساد (مثل: الأساتذة والدكاترة صلاح صادق وأحمد سيف الإسلام و خالد على ويحيى حسين عبدالهادى ومحمد حسن خليل وغيرهم), أو بالكتابة والتنقيب البحثى (مثل: الأساتذة والدكاترة عبد الخالق فاروق و عبد الحليم قنديل ونادر الفرجانى وعلاء الأسوانى وأحمد السيد النجار وإلهامى الميرغنى وغيرهم).

تدشين خطوة البداية فى هذه الحركية يمكن أن تكون مسؤلية الجبهة الوطنية للتغيير, وذلك من خلال دعوة من أمينها (دكتور عبد الجليل مصطفى) لعدد قليل من الشخصيات التى يمكن أن تكون مُعبرا أوليا عن الكيانات والنشطاء السابق الإشارة اليهم (وغيرهم). الغرض الأساسى -  وربما الوحيد- لهذا اللقاء التدشينى الأولى يُفترض أن يكون البحث فى إقامة "ورشة عمل" واحدة أو أكثر من أجل تأسيس هذه الحركية.

ربما يمكن هنا الإشارة, فى عجالة, الى أهمية بعض المتطلبات التى يكون من شأن الإنتباه اليها توفير الضمانة لفعالية وإستمرارية المأسسة المنشودة للثورة, وذلك على غرار معايير مثل:

عدم إقصاء الآخر (الذى شارك فى الثورة) – الشفافية (مع الذات ومع الآخر) – فهم أسباب عدم (أو ضعف) فعالية كيانات مشابهة كان قد إعلن عنها فى وقت سابق (مثل المجلس الوطنى), وتجنب هذه الأسباب – الحوار الحِرَفى -  الإلتزام بالمنهج العلمى فى التفكير – تشكيل رأس قيادية جماعية -   هيكلة الكيان – عدم إستئثار فرد أو مجموعة قليلة من الأفراد بالدعم المالى لهذا الكيان, والإعتماد على الإشتراكات (والتبرعات المصرية المقننة والمعلنة) – قيام هذا الكيان بتأسيس أهمية تنظيمية لميدان التحرير (وعدد من الميادين المماثلة فى محافظات رئيسية) -  إعتبار هذا الكيان لذاته كجهة تسييرية محايدة بخصوص معالم وإحتياجات مسار الثورة, وإحتكامه للمليونيات بعد التوصل الى أبعادها التنظيمية (والأمنية) – التواصل مع الكيانات الحزبية والجماعات الأهلية التى يمكن أن تكون معنية بإنجاز ثورة 25 يناير لأهدافها – إنتهاء المهام الوظيفية للكيان عند التوصل الى إنجاز ما يكون قد تحدد بإعتباره سقفا للثورة.

هذا, ومن الناحية العملية (أو البراجماتية) من المفضل أن  يُعهد الى واحد أو أكثر من مراكز البحوث والدراسات الوطنية (الخاصة) بالقيام بالمهام اللوجيستيكية لإنشاء وتواصل هذا الكيان لحين إنجازه لمهامة.
الثورة لن تفنى,.. ولكن:


تبقى فى المقام الحالى كلمة أخيرة, وهى أن ثورة 25 يناير لن تفنى بعدم مأسستها (أو بالتأخر فى المأسسة), حيث الإنسان المصرى  قد تغير, وحيث التغيير قد لحق – على وجه الخصوص – بعنصرى الشباب و المرأة.  بمعنى آخر, الإستنهاض المصرى (الذى تحلم به الثورة) سيحدث بالتأكيد فى كل الأحوال, سواء بإستعادة المرحلة الإنتقالية, أو بإستعادة الثورة ذاتها . غير أن من المهم جدا الإنتباه الى أن حدوث هذا الإستنهاض, فى غياب مأسسة للثورة, سيكون أكثر تكلفة فى الزمن والأرواح والجهود. حيث ستسير الأمور بالتجربة والخطأ, ومن خلال الضغط والضغط المضاد, و عبر المناورات وردود الأفعال . بل وربما أيضا يتطلب الأمر إنتفاضات ثورية تالية.

وفى المقابل, فإن مأسسة الثورة ستُمكن البلاد من تعظيم القدرات والسرعات الإستنهاضية, وذلك من خلال منظومية إستخدام الثروات البشرية والمادية المصرية فى إحداث التقدم لعموم كيانات وأفراد المجتمع. هذه المأسسة يمكن أن تقود الى إنعكاسات إستنهاضية تاريخية, يكون على رأسها علاج مشكلات الجهل والفقر, وذلك بدلا من  أى سوء إستخدام مالى أو سياسى لهما.

عندئذ تنهض مصر, وتأخذ مكانتها الطبيعية بين الأمم. مصر تستحق الإستنهاض وتقدر على إنجازه, ليس بأقل (بل بأكثر) من إستنهاضات أمم مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية والبرازيل, والصين, بل ومن قبلهم كل من المانيا واليابان. فقط هى فى حاجة الى مقاربة (علمية) ثورية لهذا الإستنهاض. مقاربة لاتستخدم الفقر والجهل فى السياسة, وإنما تجعل من معالجتهما أساسا قويا للتقدم الوطنى.    

دكتور محمد رؤوف حامد

 

(20)

مليونيات أبريل 2012 .. هل تصحح مسار 25 يناير 2011 ؟ - دكتور محمد رؤوف حامد
مجلة الوعى العربى
14 أبريل 2012
Contributed by زائر on 22-5-1433 هـ
Topic: مقالات سياسية

 

مليونيات أبريل 2012 .. هل تصحح مسار 25 يناير 2011 ؟
دكتور محمد رؤوف حامد
1)    الذات الوطنية كقوة مضادة للثورة:
فيروس الإيدز الفتاك بالثورة, أى ثورة, خاصة إذا كانت ثورة شعبية, هو القوى المضادة للثورة.   وبالنسبة لثورة 25 يناير, تصنف القوى المضادة لها الى ثلاثة أنواع (ثورة 25 يناير: من أين والى أين؟ - دار المعارف – 2011).
النوع الأول يتمثل فى قوى الفساد والإستبداد (نظام مبارك والذين إنتعشوا فسادا وهيمنة فى ظله). وأما النوع الثانى فيتمثل فى قوى خارجية (دولية وإقليمية) ترى فى إستنهاض مصر من كبوتها خطرا على مصالحها.
 ثم يأتى النوع الثالث, والأكثر خطرا, ليكون هو "الذات الوطنية" أو "نحن", أى قوى الثورة ذاتها والمنتمون اليها من القوى السياسية. هذه الذات الوطنية, عندما تتفرق وتتشرزم فى سياقات وأطر خاصة بكل فصيل على حدى, تتحول فعليا الى قوة كبرى مضادة للثورة, حيث هى بتشرزمها تحول الشارع السياسى الوطنى الى تربة غاية فى الخصوبة والسماح لنمو وفعالية بقية القوى المضادة للثورة, قوى الداخل وقوى الخارج.
نعم, لقد حدث ذلك بالفعل, من خلال قوى الإسلام السياسى وعلى رأسها "الإخوان", الأمر الذى تشهد عليه توجهات, ووقائع, وسلوكيات تتعلق بالميدان, أو بالمجلس العسكرى, أو بالإستفتاء, أو بالجمعية التأسيسية للدستور, أو بالتواصل الجانبى مع الأمريكان قبل الإنتخابات (وبينما الثورة لم تستكمل بعد), ... الخ.
ولقد حدث هذا الإنفراط والتشرزم, أيضا (وبالتوازى), من جانب القوى السياسية الأخرى, حيث قد نسوا الثورة وشبابها و لزومياتها, وإتجهوا الى ممارسة التحالفات الإنتخابية بأكبر من أى جهد للتحالف من أجل الثورة ذاتها.
2)    النجاة من خطر الإنتماءات الأدنى من الإنتماء الى الوطن:        
الآن, مابعد اللحظة الشيطانية التى أطل منها عمر سليمان كمرشح للرئاسة, والتى يُرى أنها كانت مرتبة بعناية عبر المجلس العسكرى, زالت الغشاوة – الى حد كبير – عن كافة التيارات السياسية المرتبطة بالثورة, بحيث قد جرى قدر من الإرتقاء (والتحول) من الإنتماء المحدود الخاص بالحزب أو الجماعة (الدينية) الى الإنتماء للثورة (والذى هو إنتماء مباشر وكلى للوطن وغير مقطوع بإنتماءات جزئية أو أدنى).
من هذا المنظور تأتى عبقرية تظاهرات أبريل 2012, والتى فيها بدا الجميع – تقريبا – يمارسون النجاة بأنفسهم (وبفصائلهم السياسية أو الدينية) من الغرق فى دوامة غرور القوة الفيزيائية (والمتمثلة فى العدد كما حدث من السلفيين يوم 29 يوليو 2011 فى الميدان), أو الإنخداع بالأنا الخاص بالقوة التنظيمية (كما بدا من الإخوان المسلمين جنوحا عن الثورة فى إتجاه مسارات ومراسى خاصة), أو الإكتفاء (أو الإحتماء)  برونقات أيديولوجية أو ذهنية صرفة (عند قوى أخرى يمينا ويسارا).  وهكذا, الجميع يتحولون, من خلال بوصلة التصدى للفلول, الى الشاطىء المشترك الأعظم, شاطىء ثورة 25 يناير "الشعبية".
المسألة إذن أن اللحظة الشيطانية الخاصة بترشح عمر سليمان للرئاسة قد نقلت وعى القوى السياسية الوطنية من محدودية وضيق أفق الإطار الخاص الى رحابة وأخلاقيات الإطار العام والأرقى, والذى هو الإطار الوطنى الثورى. الذى لم يكن ليحدث الا فى ظل (وعلى إيقاع) إرتقاء وعى جماهير المواطن العادى, والتى هى دائما أسبق من النخبة السياسية, حيث كانت قد سبقت النخبة الى "الجماعية" التى أدت الى الثورة, بينما النخبة لم تعرف - حتى الآن -  الطريق الى الجماعية التى تتطلبها الثورة منهم.
إنها إذن لحظة تاريخية جديدة فى مسار ثورة 25 يناير.  لحظة تنقل (أو يمكن أن تنقل) الجميع (شعب الثورة وكوادره السياسية الوطنية) الى الإنتماء فوق العقائدى (وفوق الدينى), والذى هو الإنتماء للوطن.
هنا نجذب الإنتباه الى أن الإنتماء العقائدى (متضمنا الإنتماء الدينى) هو فى الأساس الإنتماء الخاص بالشخص. هذا الإنتماء يعلو عليه فى المرتبة (من المنظور السياسى) إنتماءا أرقى وهو الإنتماء للوطن. من هنا فإن من شأن الإنتماء الى الوطن أن يُصفى (ويُنقى) من أية سوء فهم أو صراع أو تشرزم يمكن أن ينشأ على أساس الإنتماءات الأدنى, الخاصة بالعقيدة (أو الديانة).
3)    المغالبة للثورة وليس للأغلبية:
ما حدث إذن, ويمكن أن يتواصل فى الحدوث ويتأكد فى تظاهرات أبريل 2012, هو ليس مجرد إستعادة لميدان التحرير, وليس مجرد ممارسة لقوة "جماعية المليونيات" ضد الفلول. إنه فى تقديرنا إستحضار (إنعكاسى / إرادى)  لفرصة تاريخية عنوانها "إستعادة ثورة 25 يناير".
لقد تذكر الجميع فجأة أن ثورة 25 يناير كانت ثورة الشعب وليس فصيل سياسى بعينه, وفهم الجميع (أو بدأ يفهم) أن المغالبة تكون للثورة وبالثورة, وليس بأغلبية ما (مؤقتة), أو بمناورات خاصة ما (يكتشف أمرها بعد حين).
هذا هو المكسب الذى يمكن أن يمنع تحول الذات الوطنية (عند أى فصيل سياسى وطنى) الى قوة مضادة للثورة, كما يُستدل من وقائع ومسار ثورة 25 يناير منذ 11 فبراير 2011 وحتى لحظات ماقبل 13 أبريل 2012.
إنه إذن المعنى الخاص بمليونيات أبريل 2012, والتى تبدوا لازالت فى بداياتها. المعنى الواضح والتاريخى (كما يظهر عند المواطن العادى) هو أن "الإطار المرجعى الوطنى هو فوق أى إطار آخر, حزبى أو دينى ...الخ.
هذه اللحظة الثورية التاريخية, التى تسطع الآن فى سماء مصر, وبمليونيات المواطن العادى, يُرجى لها أنا لاتذهب سدى.
إنها لحظة نادرة تستدعى من كل قوى الثورة, ومن الأطياف السياسية الوطنية المتباينة, التواصل بالحوار وبالمنهج العلمى فى التفكير, من أجل إنجاز إستحقاقات (ولزوميات) ثورة 25 يناير, والتى لم تتحقق حتى الآن. هذه اللزوميات تعلوا أهمية على الإنتخابات الرئاسية, حيث هذه الإنتخابات والفترة الرئاسية الأولى بكاملها يظلا من الفروع الثانوية للأصل, والذى هو لزوميات الثورة.
4)    مهام إستعادة الثورة وحمايتها:    
المطلوب إذن  الآن أن يرتقى الجميع الى مستوى وضع مسار لإستكمال الثورة وحمايتها, بمعنى آخر المطلوب التوصل الى "مأسسة الثورة" (هنا يمكن الرجوع الى مقال بعنوان "مأسسة الثورة المصرية" يوجد على بعض المواقع الإلكترونية).
فى هذا الخصوص تجدر الإشارة الموجزة الى مايلى من حاجات أساسية:
أ‌-    تشكيل رأس جماعية قيادية للثورة.
ب‌-    الترتيب لتحقيق الإستحقاقات (واللزوميات) الأساسية للثورة فى أرض الواقع, والتى يأتى على رأسها:
-    الترتيب المنظومى لتفريغ البلاد من الفساد (ولمقاومة الفساد) على المستوى القومى.
-    إدارة البلاد بواسطة "حكومة ثورة" بحق.
-    تأسيس "محكمة الثورة".
-    نزول الثورة الى وحدات العمل (كإجراءات تمكين وتطويرللإنتاج ومقاومة للفساد).
-    الترتيب الفورى لمعالجة طويلة المدى لمشكلات الفقر والجهل, مع إتخاذ الإجراءات الوقائية قريبة المدى لخفض إمكانية إستغلالهما (وسوء إستخدامهما) ضد المسار الديمقراطى.
-    الإتفاق الثورى المجتمعى على "سقف الثورة", ذلك بمعنى تحديد التغييرات التى بتحققها تدخل البلاد الى سلاسل التطور والتغيير دون الحاجة الى ثورة جديدة (حيث لايمكن إعتبار الإنتخابات و / أو الدستور سقفا لحالة الثورة).
    ج-   ضرورة إبداع جماعى لسيناريو علمى وطنى, يمكن من خلاله التوصل الى صيغة تضمن تحقق إستمرار حالة الثورة (بشكل علمى, منظوى, ومؤسسى), وذلك مع إستيعاب وتناغم مع البرلمان الذى تم التوصل اليه, وكذلك مع الأستيعاب والتناغم مع الرئاسة التى يمكن التوصل اليها (من قلب الثورة).
وبعد, لازلنا داخل المرحلة الإنتقالية, والتى لم تكتمل (بل وتوقفت) بسبب ماحدث من شرودات وحيودات (من عديد من القوى السياسية الوطنية) عن حالة الثورة.
وعليه, فإن عملية إستعادة حالة الثورة تعنى إستعادة المرحلة الإنتقالية. من هنا تأتى الضرورة فى التوصل الى صياغة تحافظ على سياقات حالة الثورة وتدفع بها للأمام , وبحيث تكون المأسسات الخاصة بالبرلمان والإنتخابات والممارسات الرئاسية وبالدستور خادمة للثورة وللوصول بفاعلية الى سقفها, وليست على حساب الثورة أو ناهية لها.   

     14/4/2012

 

 


(21)

التصنيف: السياسة والرأي
مستقبليات المرحلة الإنتقالية بعد الإنتخابات الرئاسية
الدكتور محمد رؤوف حامد
  راسل الكاتب
16 مايو 2012
وبعد, مصر مابعد ثورة 25 يناير تتجه الى التقدم. إلا أن التقدم يمكن أن يجرى عبر أحد مسارين. المسار الأول يكون من خلال مسارات ثورية تحقق التقدم المتسارع, والذى يُسمى "التقدم الأسى". وأما المسار الثانى, فيعتمد على التجربة والخطأ, ويحفل بالخسائر فى البشر و
  التعليق ولوحة الحوار (0)      طباعة المقالة      إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني

عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
http://www.misrians.com/articles?2330
مستقبليات المرحلة الإنتقالية بعد الإنتخابات الرئاسية

خاصية مرضية خطيرة, تشوه المسار الجمعى  العام للنخبة السياسية المصرية, ربما يكون قد آن الآوان للإنتباه العملى اليها, برغم مايبدو من تأخر مهول فى هذا الخصوص.

تتمثل هذه الخاصية فى "ضعف القدرة على التأمل الإستراتيجى", خاصة بشكل جماعى.

ولقد أدى ذلك الى إهدار غير عادى فى إستحقاقات ما مضى زمنيا من المرحلة الإنتقالية (منذ فبراير 2011).

هنا, من الضرورى عدم تناسى أن  ما صار معروفا من أن ماتم إنجازه حتى الآن من إجراءات, كنتاج لثورة 25 يناير, قد جاء, وبشكل كلى, إنعكاسا لضغط المليونيات ولإصرار إستشهادى من الشباب.

وفى المقابل, فإن ماضاع من إستحقاقات إنتقالية (وعلى وجه الخصوص التفريغ المنظم للبلاد من الفساد, والقيادة بحكومة ثورة, والتوجيه الثورى, الذى كان ممكنا, للتسيير الإدارى السياسى للبلاد بواسطة المجلس العسكرى) قد جرى ضياعه بسبب "رخوة" فى   الأداء الجموعى   Collective Performance  للنخبة, وأن الملمح الرئيسى لهذه الرخوة هو ذلك "الضعف فى القدرة على التأمل الإستراتيجى" (أزمة الثورة و .. إشكالية النخبة – الفكر القومى العربى – 1 مارس 2012).

وهكذا, كانت النتيجة غيبة تصور جماعى لمسار إفتراضى لثورة 25 يناير, وتحول البلاد, برغم الثورة, ورغما عنها, الى مرحلة يمكن وصفها ب "البقرطة السياسية للثورة", أى إدارة حالة الثورة (شكلا) بأدوات البيروقراطية السياسية التقليدية, مثلما جرى ويجرى فى الإنتخابات البرلمانية والرئاسية.

السؤال المصيرى الآن يصبح:

أين ستكون ثورة 25 يناير, وماذا سيحدث لها, فى ظل إكتمال الشكل البيروقراطى السياسى, بوجود برلمان ووجود رئيس للبلاد؟؟؟

الوجه الآخر للسؤال هو: هل ستكون البروقراطية السياسية الجديدة, المتمثلة فى البرلمان والرئاسة (والتى حلّت فى البلاد كإحدى مخرجات الثورة), عونا للشرعية الثورية, أم أداة للإلتفاف عليها ولقمع المسار الثورى, خاصة وأن البلاد لم تصل بعد الى السقف المفترض للثورة (والذى يعنى الوصول الى حالة تجعل التغييرات تحدث إعتمادا على الديموقراطية وبدون الحاجة الى ثورة جديدة)؟؟؟

قد يرى البعض فى هذه الإستفسارات بخصوص مستقبليات مصر, بعد إتمام الشكل البيروقراطى السياسى  (البرلمان والرئاسة), مجرد تمارين أو قضايا ذهنية غير واقعية, وأن الإستقرار السياسى سيسود البلاد حتما, وستصبح الثورة – تماما – فى خبر كان.

لهؤلاء, وهم ليسوا قلة, تأتى الرؤية بأنه, مالم ترتقى البيروقراطية السياسية المصرية, فى ثوبها الرئاسى القادم, الى مستوى يتوائم مع إستحقاقات ثورة 25 يناير, فإن الشارع السياسى المصرى لن تنام فيه الثورة, وسيظل إطارا للمقاربات والموجات الثورية. هذه المقاربات والموجات ستأتى من قلة تارة, ومن كثرة تارة أخرى, بينما ستظل البلاد على هذا النحو فترة من الزمن, سواء قصُرت هذه الفترة (أشهرا, أو عاما, أو أكثر قليلا),  أو طالت لسنوات (خمسة أو عشرة أو عشرين عاما).

ربما يحتاج هذا الطرح الى بعض الإستكمال من خلال التناولات الثلاث التالية:
- لماذا لن تنام الثورة قبل بلوغها سقف إنجازاتها (برغم وجود بيروقراطية سياسية جديدة)؟
- ماهو المأمول من توجهات البيروقراطية السياسية الجديدة تجاه الثورة؟ وما هو المحتمل ممارسته من جانب هذه البيروقراطية؟
- ماذا يمكن عمله من جانب القوى الثورية, وكذلك القوى الفكرية والسياسية المتعاطفة مع ثورة 25 يناير, والتى يمكن أن تكون حاضنة لها, حتى تصل الثورة الى إستحقاقاتها برغم البقرطة السياسية؟

أولا - لماذا لن تنام الثورة قبل بلوغها سقف إنجازاتها , برغم وجود بيروقراطية سياسية جديدة؟

فى هذا الخصوص, لايمكن إغفال عدد من المستجدات الجديدة (والإبداعية) فى الشارع السياسى المصرى, والتى من شأنها إستمرارية (وإرتقاء) المد الثورى لثورة 25 يناير , مهما بدا من "تقطع", ومهما حدث من "تقطيع" لهذا المد. من أبرز هذه المستجدات يمكن الإشارة الى:
1-   الصحوة السياسية للمرأة المصرية, والتى من شأنها أن لاتعود مصر الى الوراء أبدا.
2-   إقدام قطاع كبير من الشباب , فتيانا وفتيات, على الإلتحام بالفعل الثورى, من منظورات فطرية وطنية صرفة, الأمر الذى سيظل يتجدد ويتأصل بتجدد الشباب ذاته, من صبيان وبنات جدد, وبإستمرار.
3-   إكتساب (وإستيعاب) المواطن المصرى العادى لمساحات جديدة من الحرية, فى الرؤية والفكر والممارسة, خلقتها له  الثورة, وصار غير مستعدا للتنازل عنها.
4-   تحول جزءا من جماهير المواطن العادى (والبعض من الشباب وفئات النخبة) من مجرد فعل "الولوج الى المليونيات" الى فعل أرقى, وهو "التعلم الذاتى", سواء كأفراد أو كجماعات, الأمر الذى سينعكس – حتما – على الإرتقاء المستقبلى للثورة وللمليونيات ذاتها.
 

ثانيا - ماهو المأمول من توجهات البيروقراطية السياسية الجديدة تجاه الثورة؟ وما هو المحتمل ممارسته من جانب هذه البيروقراطية؟

يمكن القول – بإيجاز – أن الواجب السياسى الوطنى لهذه البيروقراطية السياسية (ممثلة فى البرلمان وفى الرئاسة القادمة), والتى جاءت جميعها من خلال السياقات التوابع لثورة 25 يناير, هو أن ترعى شرعية الثورة , وأن تستكمل لزومياتها (مايلزم ومالالزوم له فى المرحلة الإنتقالية – البديل – 2 مارس 2011).

الرعاية تكون بأن تجعل هذه القوى البيروقراطية الجديدة  من نفسها (كبرلمان وكرئاسة) أداة لمأسسة المسار الثورى بحيث تظل البلاد فى المرحلة الإنتقالية, ولكن بتقدم محسوس ومجسم, ويكون الجديد هو إرتقاء هذه المرحلة, من العشوائية والعشوءة, الى المنظومية الملائمة , والتى تستحضر للمرحلة الإنتقالية أحلى وأجمل وأنفع مايمكن للبلاد من رؤى, وكوادر, وخطط, وتحولات, وتطهيرات من الفساد (مأسسة الثورة المصرية – موقع المدونون المصريون – 26 مارس 2012).

وإذا كان ذلك هو المأمول, فإن ظروفا عملية تؤشر الى إحتمال تناقض ماهو متوقع مع ماهو مأمول.

هذا التناقض يأتى من خلال مظاهر وأعراض رئيسية تتصف بها (أو تكاد) منظومة النخبة السياسية الخاصة بالبرلمان, أو تلك الخاصة بالسباق الى الرئاسة, ويمكن الإشارة فيما يلى الى بعضها:
-   أن مسارات الظروف الخاصة بالإنتخابات والممارسات البرلمانية, تأتى جميعها فى سياقات المغالبات الكمية, وليس التوافق النوعى الإرتقائى, الأمر الذى يتم فى جوهره إنعكاسا لغلبة الأطر المرجعية الخصوصية (للزعامات والجماعات والأفراد), وبأكثر جدا من التأثر بالإطار المرجعى الأرقى, والخاص بالثورة, أو بالإحتياجات الوطنية الأعلى.
-   أن معظم (وليس كل) المتسابقون الى الرئاسة, هم – برغم نبلهم ووطنيتهم –  مدفوعون أساسا بالذات الفردية.  لقد تجلى ذلك فى الإنشغال, منذ بزوغ الثورة , بالدعاية لأنفسهم كمرشحين (محتملين) للرئاسة, الأمر الذى قد جرى على حساب الثورة وما كان يمكن أن يقدموه لها.
-   من البند السابق, يتضائل تدنى الإحتمال بشأن بلوغ الرئيس القادم  مستوى إدراك إحتياجات الثورة بالقدر الذى يمكنه من تحمله للمسؤلية تجاه المرحلة الإنتقالية.
-   من ناحية أخرى, من غير الوارد أن يعمل الرئيس الذى يأتى كوجه لتوجه دينى من أجل الثورة , أو من أجل الصالح الوطنى العام, بالقدر الذى تحتاجه الثورة أو يحتاجه الوطن.
السبب هنا بسيط, وهو تقزم الإطار المرجعى لهذا الرئيس تحت الإطار الدينى الشكلى, والذى هو فى الأساس شأن مرجعى يختص بالفرد, ويظل أدنى مرجعية من الوطن (أو الثورة), والتى لايعلوها إلا مرجعية الشأن الإنسانى العام.
-   وأما إذا قفزت الى الرئاسة شخصية محسوبة شكلا أو موضوعا على النظام السابق, فسيكون دعمها لإحتياجات المرحلة الإنتقالية متدنيا جدا (أو منعدما). ومع ذلك فإن إفتقاد هذه الشخصية للقدرة على الإلتفاف الشكلى حول هذه الإحتياجات, بحكم وصمة خلفية الإنتماء للنظام السابق, يمكن أن يكون أمرا حافزا  لإستمرارية الصحوة الثورية بدرجة نسبية أعلى.
 

ثالثا -    ماذا يمكن عمله من جانب القوى الثورية, وكذلك القوى الفكرية والسياسية المتعاطفة مع ثورة 25 يناير, حتى تصل الثورة الى إستحقاقاتها (ضد الفساد وبشأن متطلبات تقدم البلاد) برغم البقرطة السياسية؟

لأن هذا السؤال يمثل محورا رئيسيا بشأن إستمرارية الوجود الأصيل والفاعل للثورة, فيما بعد إنتخابات الرئاسة, فإن الإجابة الأمثل عليه لايمكن أن تأتى من أى فرد بذاته. إنها تحتاج الى مقاربة علمية ترتكز على أكثر من ورشة عمل.

وعليه, فإن التصورات المطروحة هنا لايمكن أن تكون بديلا عن مقاربة جماعية (علمية وعملية) من أجل "إستمرارية منهجية للثورة فيما بعد إنتخابات الرئاسة".

فى هذا الخصوص يمكن الإشارة الى مايلى:
-   الحاجة الى كيانات مدنية جديدة تختص بمصر المستقبل, وتتشكل من خارج البيروقراطية السياسية  (البرلمان والرئاسة), وبالذات من الشخصيات والقوى الأكثر إنتباها لسلبيات مامضى حتى الآن من المرحلة الإنتقالية, والأكثر تطلعا لمناخا ثوريا ديمقراطيا, تنعدم (أو تقل) فيه الفرص لسوء إستخدام عناصر الضعف المجتمعى عند جماهير المواطن العادى (خاصة الفقر والجهل).

هذه الكيانات يمكن أن تتباين, بين طابع الحزب وطابع المنتدى الفكرى.

ربما, فى هذا الخصوص, يأتى ,كنموذج, ذلك التجمع الحزبى الذى جرى الإعلان عنه مؤخرا,  والذى يضم شخصيات من بينها الدكتور البرادعى.

هذا, ومن المفترض أن تتجه الأهداف الرئيسية لهذه الكيانات الى تطوير المناخ الديمقراطى, وتطهير البلاد من الفساد, والتمكين الإرتقائى بعيد المدى للموارد البشرية والمادية, وذلك بأكثر كثيرا من هدف الوصول الى السلطة, والذى سيكون عندها تحصيل حاصل.

-   الحاجة العظمى الى الإرتقاء الثقافى على المستوى الشعبى. إنه أمر يتعلق بتحضير مصر لمسار التقدم الوطنى طويل المدى.

هذا المسار يحتاج الى ترسيخ الأخلاقيات والقيم الى ظللت ميدان التحرير فى الفترة من 25 يناير الى 11 فبراير 2011, وبحيث تكون هى الإطار المرجعى الأعلى للشعب المصرى.

هذه الأخلاقيات والقيم تعنى إرتقاء الإنتماءات الوطنية (السياسية والإجتماعية والإقتصادية ..الخ) فوق مرجعيات الدين, أو الأيديولوجيا, أو الجنس (ذكر وأنثى) أو التباينات الجغرافية أو العرقية... الخ.

-   الإنتباه الى أن مرجعية الوطن (ومن ثم مرجعية 25 يناير) تعلو على أية مرجعية جزئية, كتلك المشار اليها فى البند السابق (شكل الزمن الخاص بثورة 25 يناير - محاضرة  فى المؤتمر السنوى للجمعية المصرية للدراسات التاريخية: "  فى مقر المجلس الأعلى للثقافة – 17 الى 19 إبريل 2012 – القاهرة ).

-   أيضا,  الإنتباه الى أن التقدم, فى الزمن الحالى, لايمكن أن يقوم على أيديولوجية محددة بعينها, أيا كان إطارها, سياسى أو دينى أو فلسفى ...الخ.  ذلك أن التقدم فى هذا الزمن يستند الى الإدارة (العلمية), وليس الأيديولوجيا. حيث تظل الأيديولوجيات, كالفنون والآداب, يمكن الإرتواء منها, والإستمتاع بها على المستوى الذهنى, بينما الإدارة تبدع المقاربات والمعادلات العملية الخاصة بتقدم الوطن ككل, بكافة أبعاده وجزئياته, آخذة فى الإعتبار للجماليات الممكنة فى الأيديولوجيات المختلفة  (الإدارة .. أيديولوجية القرن ال 21 – إدارة المعرفة : رؤية مستقبلية – سلسلة إقرأ – دار المعارف - 1998).

-   الأخذ فى الإعتبار للمخاطر الوطنية والإقليمية والدولية من جرّاء تصور المرجعيات الدينية كمرجعية سياسية.
فى هذاالشأن يمكن القول, أن إستخدام المرجعية الدينية كمرجعية سياسية يؤدى الى  الوقوع فى مستنقع عميق من  السلبيات والآثام, والتى يأتى من بينها :
1-    تعريض البلاد لنار سلاسل الفتن الدينية.
2-    توكيد شرعية الوجود الصهيونى ككيان قائم على الدين السياسى.
3-    عرقلة إمكانات وسرعات تقدم البلاد, حيث المنظور الدينى لايمكن أن يكون إلا عنصرا واحدا من عناصر التقدم الحياتى, وليس عنصرا مهيمنا على بقية العناصر.
4-    إخصاب المناخات والسيناريوهات التى تعمل على تقسيم بلدان المنطقة العربية.

وبعد, مصر مابعد ثورة 25 يناير تتجه الى التقدم. إلا أن التقدم يمكن  أن يجرى عبر أحد مسارين. المسار الأول يكون من خلال مسارات ثورية تحقق التقدم المتسارع, والذى يُسمى "التقدم الأسى". وأما المسار الثانى, فيعتمد على التجربة والخطأ, ويحفل بالخسائر فى البشر والزمن.

المأمول إذن أن يجرى إستحضار قوى الثورة لمسار "التقدم الأسى", والذى هو بطبيعته مسارا ثوريا, وأن تستوعب البيروقراطية السياسية الجديدة أن عليها مسؤلية تاريخية تكمن فى إحتضان هذا المسار.

دكتور محمد رؤوف حامد


(22)
التصنيف: دراسات وتحقيقات
شكل الزمن الخاص بثورة 25 يناير
الدكتور محمد رؤوف حامد
  راسل الكاتب
21 مايو 2012
يقصد هذا المقال تناول "شكل الزمن الخاص بثورة 25 يناير" من خلال ستة محاور رئيسية, وهى: أهمية الزمن (بالنسبة لثورة 25 يناير) – تعريفات – خواص الزمن – علاقة الزمن (أو اللحظة الزمنية) ببعض الكليات و/أو المفاهيم – علاقة الزمن بحالة ثورة 25 يناير–المستقبل
   التعليق ولوحة الحوار (0)
   طباعة المقالة
   إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني


عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
http://www.misrians.com/articles?2336
شكل الزمن الخاص بثورة 25 يناير

[ يرتكز هذا المقال على المحاضرة التى ألقيت بنفس العنوان فى المؤتمر السنوى للجمعية المصرية للدراسات التاريخية: " ثورة 25 يناير – بين ماضى الثورات العربية وحاضرها" فى مقر المجلس الأعلى للثقافة – 17 الى 19 إبريل 2012 – القاهرة ]

بقدر "شعبية" الثورة, بقدر ماتتعاظم التنوعات والتعقيدات فيما تحتويه (وفيما يتماس معها) من حركيات وأفعال وردود أفعال. هذا الإعتبار  يوضح الصعوبة القصوى بشأن مسألة تقييم الثورة من حيث المسار والحركيات والمخرجات. من هنا تنبع الحاجة الى التقييم (والمتابعة) بالإعتماد على "إطار مرجعى" كلى يشمل (وتُقاس به) كل الحادثات  Events .

هذا الإطار لابد وأن يكون أكبر من رؤية لحظة بعينها, وأعلى من رؤية فرد أو حزب أو جماعة ما. إنه الإطار الذى يمكن أن يساعد على وضع الأشياء (و/أو الحادثات) فى سياقات وإستيعابات وتواصلات أكبر. إنه إذن "شكل الزمن", والذى يمكن من خلاله (وبواسطته) وضع ملاحظات كلية عن الأشياء.

وهكذا, يقصد هذا المقال تناول  "شكل الزمن الخاص بثورة 25 يناير" من خلال  ستة محاور رئيسية, وهى: أهمية الزمن (بالنسبة لثورة 25 يناير) –  تعريفات –  خواص الزمن –  علاقة الزمن (أو اللحظة الزمنية) ببعض الكليات و/أو المفاهيم –  علاقة الزمن بحالة ثورة 25 يناير – المستقبل.
أولا - أهمية الزمن (بالنسبة لثورة 25 يناير):


لم تجىء ثورة 25 يناير كصدفة (أو كزُوّادة على التاريخ), بل قد جاءت طبقا لموعد (أو "راندفو") بين مصر والتاريخ   "Rendezvous with history ”.

يتأكد هذا الأمر (أى الموعد أو "الراندفو") من خلال إشارات محددة موثقة سبقت الثورة بسنوات, والتى كان من بينها :
أ‌)   الإشارة – عام 2006 –  الى أن هناك "نقطة إنعطاف" فى الشارع السياسى المصرى فى طريقها الى القدوم. وقد تضمنت الملامح التى كانت قد ذكرت عن هذه النقطة  "تقلص الأغلبية الصامتة والإهتمام العلنى العملى المجسم بالشأن المجتمعى العام والتأثير فيه" (محاضرة بعنوان "الثقافة والواقع المجتمعى فى مصر", موثقة فى مجلة العلوم الإنسانية واللاهوتية, عدد إبريل 2006 ).

ب‌)   الإشارة الى وجود "دورة زمنية للتغيير فى مصر" ( وذلك فى سلسلة من أربع مقالات بعنوان رئيسى "سر 2007" – 17 و 18 و 19 و 20 أكتوبر 2007 - البديل). وبمقتضى هذه الدورة , كما جاء فى هذه المقالات, فإنه يحدث  تغيير سياسى كبير كل 35 عاما (زائد أو ناقص عامين). وبإعتبار أن قمة الدورة التغييرية السابقة قد تمثلت فى "الإنفتاح الإقتصادى" (كما جرت تسميته) عام 1974, فإن بداية الدورة التالية كان من المتوقع أن تكون فى عام 2009 زائد أو ناقص عامين (أى فى الفترة من عام 2007 الى عام 2011), الأمر الذى قد جرى حدوثه بالفعل.

[ملحوظة: المقالات السابق الإشارة اليها قد جرى تضمينها كتاب قد صدر مؤخرا, فى سلسلة إقرأ,  عن دار المعارف, بعنوان "ثورة 25 يناير من أين والى أين؟"].

وهكذا, لأن ثورة 25 يناير (كحدث كبير) قد جاءت على موعد مع التاريخ, مما يعنى التوقع بأن نوعيات أحداث التاريخ و وقائعه ستختلف بعدها عما كان قبلها, فإنه يصبح من المتوقع (ومن الطبيعى) أيضا أن تشهد الثورة أفعالا وردود أفعال,تأتى فى سياق محاولات لإيقاف الزمن عند مرحلته السابقة, أو للإستفادات الخاصة من مستجداته, وذلك فضلا عن الحركيات الرامية الى إستكمال وحماية مسار الثورة.  إنها إذن خصوصيات ومحطات تستجد فى إطار حركيات علاقة الزمن بثورة 25 يناير.
ثانيا – تعريفات:


يتضمن هذا الجزء تعريفات (و/أو توصيفات موجزة) لكل من "الزمن" و " إنسياب الزمن" و "العلاقة بين المكان والزمان" و "معنى الثورة".

وفى عجالة هذا العرض يمكن الإشارة الى الزمن بإعتباره تتابع للحركة أو للحادثات   Events  , وذلك حيث الحادثة تمثل شيئا يخرج عن القواعد السارية.

من ناحية أخرى, يتباين "الحس" بإنسياب الزمن طبقا للتباينات فى الذهنية و المصالح بين الأفراد (وكذلك بين الجماعات). فى هذا الخصوص, عند إرتباط الذهنية والمصالح بصالح الشأن العام, تكون "الحركة" قاصدة المستقبل لإستحضار أفضل مافيه الى الحاضر. هذا النوع من الحركة يمكن ملاحظته فى الأعمال العلمية الأصيلة, وفى الثورات, وفى سلوكيات اليسار (بالمفهوم الفلسفى).

 وأما عندما تكون السيادة (فى الذهنية والمصالح) للمكاسب الذاتية المادية الصرفة, أى تكون الفوائد للأنا الخاص وليست للصالح العام , فإن الزمن يتحول الى "وعاء" يجرى ملؤه, الأمر الذى يمكن ملاحظته فى سلوكيات بعض التوجهات المحافظة, وفى السلوكيات النيوليبرالية.
 
وأما عن الزمان بالنسبة للمكان, فقد وُصف – فلسفيا – بأنه عقله, بمعنى أن الزمان يمثل العقل بالنسبة للمكان, بينما المكان يكون بمثابة الجسد. من هذا المنظور يتحول المكان دون الزمان الى كتلة مصمتة, الأمر الذى يمكن تطبيقه (وملاحظته) على التباينات فى شكل ميدان التحرير فى فترات مختلفة تلت بزوغ ثورة 25يناير.

وبخصوص معنى الثورة, يمكن إعتبار أن "الثورة الشعبية" ترتقى فى معناها عن الثورة التقليدية (والتى تقع بواسطة إنقلاب عسكرى, أو يجرى التحضير لها بواسطة قوى سياسية معينة), وذلك بتضمنها (وإنتاجها) للتغيير على مستويين رئيسيين, وهما "البشر" (من خلال خلق مساحات جديدة فى الحريات و فى العلاقات والتفاعلات), و "الإدارة" (بما يمكن أن تتيحه – على المدى الأطول – من  إستخدام أحسن للموارد بما فيها البشر والزمن).  وذلك – بالطبع –  إضافة الى ما تعنيه الثورة التقليدية بشأن "التغيير فى السلطة" السياسية. وفى كل الأحوال فإن إنجازات الثورة الشعبية تأتى من خلال إرتقاءا حلزونيا للحادثات Events   والأشياء (إحتياجات الإرتقاء الحلزونى للثورة : الحركيات والقيادة – البديل – 1 مايو 2011.).
 
ثالثا – خواص الزمن:


من منظور ربط تعريف الزمان بالحركة (أو بالحادثات), فإن الزمان يمكن أن يتجلى فى خواص عديدة, طبقا للذهنية ولتنوع المصالح بين الخاص والعام. هذا, ويمكن إجمال أهم هذه الخواص فيما يلى:

أ‌)   "الإسترخاء" و "التقلص":

إسترخاء الزمن يعنى إنخفاض الحس بأهميتة وبتتابع حركياته, مما قد يقود الى سلوك الإهمال. وأما تقلص الزمن, فيعنى الحس بأن الحركيات الموجودة (أو المطلوب إنجازها) هى ضرورية, وصعبة, وبالكاد يمكن إنجازها.
 
ب‌)   "الخطية" و "اللاخطية":

فى الزمن العادى تجرى الأشياء – عادة -  بإيقاع خطى  Linear .  إنه السياق التقليدى للحركيات فى الواقع العادى (أى فى غياب التغيير الكبير أو الثورة).  وفى إطار هذا السياق يمكن توقع ماسيكون  بعد فترة زمنية ما, وذلك من خلال إمتداد "خطى"  Extrapolation  يتناسب مع السرعة الجارية للحادثات وللأشياء.

وأما اللاخطية  Non-linearity  (فى المسار الى الأمام) فتختص بالحركيات عندما تأتى بأكثر بكثير مما يمكن توقعه فى الأوضاع العادية. اللاخطية إذن هى – فى الأغلب – الخاصية الملازمة للزمن فى الثورات.

من الملاحظ هنا تجسم اللاخطية فى إنجاز إقصاء مبارك فى غضون ثمانية عشرة يوما فقط. ذلك بينما أهداف (أو إنجازات) أخرى قد جرى, و يجرى, التعامل معها بتلكؤ أو بإسترخاء (أى حتى بأقل من العلاقة الخطية) على مدى أكثر من عام بعد بزوغ الثورة, وذلك مثل "تفريغ البلاد من الفساد", أو تسيير البلاد بحكومة تتوائم مع حاجات ومتطلبات الثورة.... الخ.

ج)   المنظور قصير المدى والمنظور طويل المدى:

بما أنه فى حالة الثورات يحدث تقلص للزمن, ويكون الإنجاز من النوع اللاخطى  Non-linear , كما ذكر أعلاه, فإن المنجزات التى تتم فى اللحظة الزمنية التغييرية  (أو الثورية) تكون أكثر إرتباطا بالمنظور الزمنى طويل المدى, أو الأطول مدى (مثل إسقاط نظام سياسى بمكوناته وتوابعه).

وأما أن تتسيد الرؤى قصيرة المدى فى زمن الثورة, فإن ذلك يعنى أن الثورة تخضع (أو تتعرض) للفرملة, أو لسؤ الفهم وسؤ القصد. إنها عندئذ تكون – إجمالا – تحت هيمنة القوى المضادة للثورة, والتى يمكن أن تكون هى الذات الوطنية نفسها, عند تجزأتها وتفتتها, وذلك فضلا عن قوى الفساد والقوى الخارجية التى يمكن أن تكون معادية.

د)   الإطار المرجعى:

فى الحس بالزمن يكون الإطار المرجعى هو الحاكم (أو الضابط)  Control . الإختلاف فى الإطار المرجعى يعود الى الإختلاف فى الذهنية و/أو المصالح.

فى هذا الخصوص, يمكن - الى حد كبير- القول بأن جماهير الثورة الشعبية المصرية, كانت جميعها فترة الثمانية عشرة يوما التى أدت الى إسقاط رأس النظام (مبارك) تتصف (وتتفاعل من خلال) إطار مرجعى رئيسى واحد, وهو الثورة (أو الوطن). وأما بعد ذلك فقد تنوعت الأطر المرجعية طبقا لتنوعات (وإفتعالات) ذهنية ومصلحية خاصة, كان قد جرى إستحضارها , بشكل مباشر أو غير مباشر, من خلال ما وُصف بالتلكؤ الإستراتيجى ( التلكؤ الإستراتيجى ومستقبل الثورة المصرية - الأهرام 22 سبتمبر 2011), وهو الأمر الذى تقع المسؤلية عنه على  جماعات وأفراد من القوى السياسية (أوالنخبة), وكذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
رابعا – العلاقات الممكنة بين الزمن (أو اللحظة الزمنية) وبعض الكليات أو المفاهيم:


هذه العلاقات تكون أكثر وضوحا, ومن ثم أكثر تأثيرا, فى حالات التغييرات الكبرى والثورات.

أ‌)   العلاقة بالمأسسة:

المأسسة تعنى ترسُخ المنظومية. والمنظومية فى حد ذاتها تعنى (ضمن ماتعنى) وجود "درجات حرية" مناسبة من أجل الإبداع والتطوير لإحداث التقدم (المنظومى) ولمجابهة التحديات.

درجات الحرية هذه هى التى تسمح بحركية الحادثات والأشياء, ومن ثم هى محدد أساسى لشكل الزمن ولإتجاه حركياته.

وعليه, ففى غياب المنظومية, أو مع تزايد تداخل العشوائية والعشوءة مع المنظومية المفترضة, تتعثر التوجهات المنظومية, وتنشط اللامنظومية, وتتدنى درجات الحرية (المؤسسية), فيفقد الزمن خصائصه التقدمية (أى التقلص واللاخطية). عندها يخضع الحس بإنسياب الزمن الى مرجعية الفوائد الخاصة (أو الخصوصية) المرتبطة بالذات الجزئية (للفرد أو الجماعة), على حساب الذات الأعلى (المؤسسة أو الوطن). فى هذا الوضع يمثل الزمن فرصة لإنتزاع مكاسب خصوصية (بمعنى مكاسب خاصة   Private ).

ب‌)   العلاقة بالوعى:

يعتبر الوعى الداخلى هو الصانع والحاكم للإطار المرجعى. إنه المُشكِل للذهنية والمصالح التى تميز الإطار المرجعى.

من هنا, يكون للتغيير فى الوعى الداخلى إنعكاسا على الإطار المرجعى, وذلك بشكل مباشر وسريع.
من ناحية أخرى, يَحدُث التغيير فى الوعى الداخلى, ومن ثم فى الإطار المرجعى, نتيجة التأثر بموضوع (أو حدث) خارجى, وعلى وجه الخصوص عندما يُمثل هذا الموضوع الخارجى تحديا و/أو مفاجئة.

ربما يأتى النموذج الأقرب للأذهان هنا من "لحظة" ترشح عمر سليمان للرئاسة (أوائل ابريل 2012).

فى هذا الشأن يجدر الإنتباه الى أن قوى سياسية ممن كانت قد أظهرت تعاطفها (أو ضلوعها) مع حالة الثورة, قد تحول إطارها المرجعى بعد ذلك, أى بعد إسقاط مبارك, بعيدا عن الوطن والميدان ليكون إطارا مرجعيا متعلقا  بالمصالح الخاصة والسلطة, أى أدنى من الإطار المرجعى الخاص بالوطن والثورة.

هذه القوى ذاتها قد تأثرت بالترشح المفاجىء لعمر سليمان, كحدث خارجى, بحيث قد إرتقى وعيها, ولو بقدر جزئى, من مستوى الإطار المرجعى الأدنى (ذهنية المصالح الخاصة والسلطة) الى مستوى الإطار المرجعى الأرقى, والخاص بالثورة والوطن. لقد إنعكس ذلك فى العودة السريعة لهذه القوى الى ميدان التحرير, أى الى المكان والزمان الثوريين, بعد أن كانت قد تعالت عليه وعلى متطلباته.

ج)   العلاقة بالإنتماء:

من البندين السابقين (بخصوص المأسسة و الوعى) يتضح أن الإطار المرجعى فى زمن الأيام ال 18 قبل إسقاط مبارك كان هو الصالح العام المطلق, وبالتالى كان ا


أسباب عديدة تدفع الى هذا الإعتقاد.

لعل من أبرز هذه الأسباب حلاوة طعم المليونيات, خاصة تلك التى أدت الى إسقاط الرئيس.

هذه "الحلاوة" تعود الى الإطار المرجعى الثورى / الوطنى الذى إرتفع بأخلاقيات المصريين, وبحفاظهم على بعضهم البعض, وحبهم لبعضهم البعض, بشكل لن ينساه التاريخ, وسيتوقون للعودة اليه, متى جاءت الضرورة.

وبالإضافة الى ذلك تتضمن الأسباب الأخرى, ماقد حدث من بعث جذرى جديد للشارع السياسى المصرى, من خلال عنصرين أصيلين, وهما الشباب, والمرأة.

نهضة الحس السياسى للمرأة تعنى النهضة طويلة المدى للأمة, ولقد حدث.

أما نهضة الحس السياسى (والفدائى) للشباب, فتيانا وفتيات, ففيها ضمان إستمرارية التجدد, بتجدد الشباب. وفيها أيضا ضمان سرعة الإرتقاء الوطنى العام, وذلك من خلال (وبالإعتماد على) قدرة الشباب على السرعة فى التعلم والإستيعاب و التطوير.

المأمول, والمتوقع إذن, أن مصر لن ترجع الى الوراء, وأنها ستتقدم, بمعنى أن حركية الزمن فيها ستكون متجهة الى إستحضار المستقبل. غير أن السؤال الإستراتيجى الحرج بخصوص تقدم مصر هو بأى منهج سيحدث التقدم.

يمكن القول بأن أمام مصر منهجين (أو طريقين) للتقدم.
المنهج (أو الطريق) الأول هو السير الى الأمام من خلال "التجربة والخطأ". إنه إمتداد لنفس الطريق الذى يسلكه الشارع السياسى المصرى منذ إسقاط مبارك. هذا الطريق بطىء زمنا , وأكثر تكلفة, بشريا وماديا. إنه يعنى إستمرار قدر من العشوائية فى المسار الثورى, بحيث يظل هذا المسار فى تذبذبات الصعودا والهبوط لفترة أطول من اللازم.

فى هذا الخصوص, لاتكمن ضمانات كافية فى البرلمان الذى قد تشكل, أو فى الرئاسة التى يمكن أن تأتى. ذلك حيث كلاهما يكون قد جاء فى غيبة مسار ثورى متفق عليه, بينما البلاد فى حالة ثورة.

ذلك إضافة الى مسألة جوهرية تختص بالمناخ المحيط بالعملية الديمقراطية, حيث يحتاج هذا المناخ الى التنقية من عديد من العوامل التى من شأنها سؤ إستغلال للعملية الديمقراطية, مثل الفقر والجهل والمال.

وإذا كان المنهج (أو الطريق) الأول يمكن أن يكون قدَرْ مصر, ففى هذا الطريق تمنى ومحظور. التمنى هو أن توفق الدولة بتشكيلها الجديد فى إحتضان وإستيعاب وإستكمال حالة الثورة.

وأما المحظور, فيتمثل فيما يمكن أن يحدث من جانب البيروقراطية السياسية المنتخبة ضد حالة الثورة, حيث يٌخشى من بقرطة الثورة (أى إخضاعها لهيمنة البيروقراطية السياسية), الأمر الذى قد يؤدى بالبلاد الى صدام على أرضية التباين فى الشرعيات.

أما عن المنهج (أو الطريق) الثانى, فيتمثل فى نجاح الرؤى الثورية فى مأسسة شرعية الثورة, أو مأسسة حالة الثورة. عندها يمكن لحركيات الإستنهاض أن تتواصل, وأن تتكامل, بمنظومية مناسبة. فى هذا الخصوص يمكن القول بأن حركيات الإستنهاض تتمفصل حول (ومن خلال) ثلاثة توجهات رئيسية:

1-   "التقدم الأُسى", أى الترتيب للتقدم بمنظومية وبسرعة متزايدة (التقدم الأسى: إدارة العبور من التخلف الى التقدم – المكتبة الأكاديمية – القاهرة- 1997).

2-   "الوطننة", أى التعامل مع كافة العوامل والحركيات, الداخلية والخارجية, من منظور المصلحة الوطنية طويلة المدى, للمواطنين, وللمؤسسات.

3-   "الإدارة كبديل للأيديولوجيا".  فى هذا الشأن يمكن جذب الإنتباه الى أن زمن القرن ال21 قد تخطى مسألة الإعتماد فى التقدم على خلفية أيديولوجية واحدة محددة. وذلك بصرف النظر عن طبيعة أو نوع هذه الأيديولوجية ,ماركسية – ليبرالية – دينية ...الخ  (الإدارة .. أيديولوجية القرن ال 21 , فى "إدارة المعرفة : رؤوية مستقبلية" سلسلة إقرأ , دار المعارف, 1998). الجديد هنا يكمن فى اللجوء الى الإدارة العلمية لحركيات وموارد المجتمع, وذلك فى ظل التعامل بالفهم والتذوق المعرفى مع الأيديولوجيات, بإعتبارها فنونا وآدابا وأحلاما على قدر عالى من المثالية و/أو الخيال و/أو الخصوصية.

فى هذا الإتجاه, يُنظر الى الأيديولوجيات ويُؤخذ منها, تماما كما تجرى التعاملات الذهنية مع الفكر الفلسفى المجرد, وكما يجرى التأمل للإبداعات الفنية.

من هذا المنظور, تتحول الأيديولوجيات الى عوامل مساعدة على التقدم من خلال التعامل المعرفى معها. إنه تعامل يُبنى على أسس المنهج العلمى, كبديل لأية تشددات أو منظورات مغلقة على ذاتها, ويأخذ فى الإعتبار للمصالح الإنسانية والوطنية طويلة المدى, والتى تصاغ وتتابَع, وتتطور إعتمادا على تقنيات ومعادلات "الإدارة العلمية" المجتمعية, أو الوطنية.    
21 مايو 2012
أ.د. محمد رؤوف حامد

 (23)

مستقبل مصر بين داروينية الإخوان وديمقراطية الثورة
دكتور محمد رؤوف حامد
[ كان هذا المقال كان قد تم إرساله لإحدى الجرائد اليومية المستقلة فى سياق ترحيب من أحد قياداتها بنشر مقالاتى (وذلك قبيل إستفتاء 19 مارس 2011 ) لكنه لم ينشر ]
قيادى إخوانى كبير, وهو أيضا صديق فاضل, فوجئت به يُشير فى مؤتمر صحفى للإخوان (بخصوص الموقف من الإستفتاء), الى أن من لا يريدون الإستفتاء, ومن سيصوتون بلا, إنما يتخذون هذا الموقف لأن ليس لديهم بديل. ذلك بينما (كما قد فُهم من هذا المؤتمر الصحفى) أن الإخوان لديهم البديل.
 
عندها, تعجبت من أمرين. الأمر الأول هو قيام الإخوان بوصف من يختلفون مع الإستفتاء, ومن سيقولون لا,  بأن ليس لديهم بديل. ذلك رغم أن معظم هؤلاء هم ممن صنعوا الثورة, والتى هى البديل ذاته (والذى يأتى الإستفتاء كأحد توابعه).  وأما الأمر الثانى, فقد كان قدر تطابق موقف الإخوان مع نظرية دارون للتطور (أو للنشوء والإرتقاء), والتى تُفهم فى المنظور الثقافى الشائع بأن الإنسان أصله قرد.
نظرية دارون تقضى بأن البقاء يكون للأصلح (أو للأقوى). ولقد ظهر الإخوان غاية فى الداروينية وهم يرون بأنهم هم الأقوى (أو الأصلح), من منظور جاهزيتهم الفورية للإستفتاء (وللإنتخابات البرلمانية), ولإعتبارهم ذلك ميزة (أو فرصة) عليهم إستخدامها.  وذلك بصرف النظر - من الناحية العملية - عن أية إعتبارات للآخر فى مصر, أوللجديد الممكن إعادة صياغته وإعادة إبداعه فى الشارع السياسى الثورى الجارى.

هنا, نتوقف أمام عمقا حقيقيا لنظرية داروين. إنه عمق وصفى محافظ. ذلك أن التطور - فى فهم داروين – يقوم بالحفاظ على ماهو موجود بالفعل من عنصر قوة فى جسم الكائن الحى. أما عن العنصر الضعيف فإنه يتضائل مع الزمن, ويضمحل,ولايُعالَج بل يُترك ليموت. ذلك بمعنى أن نظرية دارون تشير الى أن جوهر التطور هو "المحافظة" على أقوى ما يكون قائما, وليس علاج ضعف قائم, أو إبداع صياغة ذكية لأى جديد.
بمعنى آخر, فإن جوهر موقف الإخوان بالنسبة للإستفتاء يتمثل فى التمسك بفرصة البقاء للأقوى (كما تقول الداروينية), والتى تتجسم عندهم  فى الإسراع بالإستفتاء, وبنعم, وبالإنتخابات البرلمانية, والتى ستكون لصالحهم (من منظورهم ومعهم السلفيين). وذلك بصرف النظر عما يعتمل فى الساحة الوطنية من إجتهادات, ومقاربات, ومحاولات, من أجل "إبداع" أو "إعادة بناء" الشارع السياسى المصرى , بعد أن أصيب بالإتلاف وبالعطب المزمن على مدى عقود. 

فى هذا الخصوص يستحق الأمر جذب الإنتباه الى نقاط, ربما لن ينساها التاريخ عن الفترة الراهنة:
-    أن التوجه الداروينى للإخوان جاء متلائما - من الناحية العملية - مع التوجه المحافظ (أو المضاد للثورة) من جانب بقايا النظام, الذى يجرى خلعه بعد أن تم إسقاط  رئيسه.
-    أن الذخيرة الواقعية التى إعتُمد عليها فى هذا التوجه الداروينى لم تكن فعلاا إبداعيا, بل كانت التدنى المفرط للثقافة السياسية لقطاع غير صغير من الجماهير, وذلك بحكم عوامل الأمية الأبجدية, والأمية الثقافية العامة, فضلا عن الفقر (بتداعياته).
-    أنه بينما كانت مصر الثورة مشغولة بتعظيم التحولات والإبداعات الخاصة بترجمة الثورة الى واقع معيشى, فإن الإخوان (ومعهم السلفيين) كانوا أكثر إنشغالا بأمر آخر محتمل, يتمثل فى نصر سياسى براجماتى ممكن و محافظ وضيق. 

ربما يكون الأكثر أهمية, كتداعيات ناجمة عن فهم ملابسات داروينية موقف الإخوان والسلفيين بخصوص الإستفتاء, هو إدراك القيمة القصوى للديمقراطية, والتى تكاد تكون لانهائية فى موضوعيتها وفى محتواها, وكذلك فى تأثيرها على المستقبل.
فى هذا الشأن من الضرورى عدم إغفال قيمة كبرى متوقعة لهذا الإستفتاء  باعتباره "كشّاف".  إنه يكشف للجميع عن التباينات فى الأحجام النسبية لنفوذ القوى السياسية فى الشارع (على حالتها), مع نهاية ولاية النظام الذى تم خلع رأسه.  إنه يكشف كذلك عن مواطن ضعف وطنية عامة, لها تأثيراتها السلبية على ممارسة الديمقراطية, يأتى على رأسها كل من الأمية والفقر.
بمعنى آخر, الإستفتاء يكشف عن أشياء, يمكن لها,  إذا ما تُركت دون الإنتباه المناسب, أن تتسبب فى إعادة إبتلاع الشارع السياسى المصرى بواسطة تحيزات قد تكون مضادة للصالح الوطنى العام.
وعليه, يُتوقع أن يتزايد الإيقاع  الحركى للثورة أكثر وأكثر, فى الفترة الزمنية القصيرة القادمة, طبقا لحاجات أساسية. الثورة المصرية تحتاج لكل عناصر القوة فى المجتمع (ومن بينها الإخوان), وهى أيضا تحتاج, وبدرجة أكبر كثيرا, الى علاج ما قد تراكم من مواطن ضعف وطنية عامة على مدى عقود.
علاج مواطن الضعف, والبناء بالتوازى (مع العلاج), هوعملية إبداعية, تعيد تصميم مصر, وتعيد الإعتبار الى إمكاناتها الكامنة.

من أجل ذلك, هناك  حاجة للحوار (والعمل) للتوصل الى فهم (ثم فعل) مشترك يجعل من تنوعات الإختلافات والتباينات مصادر قوة من نوع جديد.
 مصادر قوة لعلاج مواطن الضعف المجتمعى من أمية وفقر. و مصادر قوة للتحول الى نظام مجتمعى يُحدث قطع (وعدم إستمرارية) مع عيوب ومخرجات وأدوات النظام الذى يجرى خلعه.

وهكذا, الماكينة الوطنية للديمقراطية الحقيقية تتجنب إستخدام نقاط ضعف المواطن كفرصة, وتعمل على "تمكينه" من التفكير وإتخاذ القرار والعمل بطريقة سليمة.

وبعد, إن الحفاظ على جماعية العقل الوطنى وتطوره, هو أمر يفوق بمراحل صيغة "نعم" أو "لا", وهو يتعدى بكثير قوة أية قوة يمكن أن تتمتع بخصائص داروينية ما.  

(24)

إقتلاع ووأد الفساد.. الفرصة التاريخية والكيفية
دكتور محمد رؤووف حامد
[ هذا المقال أرسل (فى منتصف أبريل 2011) الى جريدة أسبوعية معارضة, أتشرف بالنشر فيها من وقت لآخر, لكنه لم يحظى بالنشر]
    ربما يكون الوصف الأصدق لحركية الفساد هو "اللزقة" . هكذا يصفه الأكاديميون المتخصصون.  سبب رئيسي لصعوبة التخلص من الفساد, باعتباره "لزقة", هو أن لا أحد ممن يمارسونه على إستعداد أن يغير استراتيجيته، حيث جميعهم مستفيدين.
 لقد رأينا فى مصر كيف أن بعض الإفساديين القوميين الكبار ظلوا متمسكين بأوضاعهم  الإنحرافية الى أقصى مدى حتى لحظة سقوطهم بفعل الثورة, غير عابئين بالإحتجاجات ضدهم, ولابتسارع إنتشار "الرنين الشعبى للثورة" ضد النظام. فى نفس الوقت, رأينا كيف أن"لزقة " الفساد قد تضخمت حتي وصلت الى درجة التمأسس على المستوى القومى, بحيث أصبح الفساد هو الشرع, الذى يهيمن على مجريات أمور الدولة. ثم هاهم المفسدون يسعون لتفتيت الثورة من أجل الحفاظ فسادهم.
وهكذا, السؤال الوطنى الحرج الآن " كيف يمكن إقتلاع ووأد الفساد ؟".
الحقيقة أن القضاء على الفساد فى مصر  يستحيل أن يتم  بغير منظومة من التناولات والسيناريوهات ذات الطبيعة الثورية, والتى تتضمن:
1-    إدراك لخصوصيات اللحظة التاريخية الراهنة بشأن القضاء على الفساد.
2-    إستيعاب الضرورات (والأساسيات) المفاهيمية اللازمة من أجل المجابهة الأمثل للفساد.
3-    وضع مخطط عملى متعدد المستويات للقضاء على الفساد.
4-    بناء ميكانيزمات تختص بضمان منع بزوغ الفساد بعد أن يكون قد تم إقتلاعه.

أولا: خصوصيات اللحظة التاريخية الراهنة:
 تمتلك اللحظة التاريخية المصرية الراهنة خصوصيات أربعة رئيسية تتعلق بمجابهة الفساد.
الخصوصية الأولى تتمثل فى تخطى  المصريين سلوك اللامبالاة.  بل وأيضا قفزهم الى القدرة على النسج الإبداعى الجماعى الى سلوكيات إيجابية لم تعرف من قبل, مثل إستمرار تظاهرات الثورة حتى تتحقق كافة مطالبها.
وأما الخصوصية الثانية فتختص بالمسار التغييرى الذى أدى بالمصريين الى الخصوصية الأولى. لقد تواصل هذا المسار على مدى حوالى قرنين (أسرار ومحطات ثورة مصر - البديل الجديد – 18/2/2011), وشهد إرتقاءا تراكميا  ل "اللاوعى الجمعى الوطنى", والذى  وصل مؤخرا الى قمته  بظهور العقل الجماعى الوطنى. هذا العقل هو الذى قاد الشباب وجموع المصريين للتحول من مجرد إنتفاضة فى يوم الشرطة, الى ثورة شعبية متواصلة. هنا, يجدر الإنتباه الى أن العقل الجماعى الوطنى لثورة 25 يناير كان أسبق, وأنضج, وأرقى من العقل الخاص بأية فرد, أو أية تنظيم, فى مصر أو خارجها.
ثم تأتى الخصوصية الثالثة, والتى تتمثل فى إستهداف الثورة المصرية لهدفى القضاء على الفساد وتحقيق الديمقراطية السياسية, وبشكل متلازم. هذه الخصوصية تتوج العبقرية الجموعية التلقائية, حيث طبقا للمعارف الأكاديمية الحديثة, يُعد كل من الفساد وغياب الديمقراطية وجها (وتعضيدا) للآخر.
بعد ذلك تجىء الخصوصية الرابعة متمثلة فى حقيقة أن عموم المصريين يتشاركون فى الثورة.  كل مصرى واعى يفعل مايفعله بقية المصريين الآخرين (من ممارسة للفعل الثورى). من المنظور الأكاديمى أيضا, وطبقا لنظرية "كيف يلعب الآخرون", يعتبر هذا الوضع هو الأنسب للمجابهة القومية الكلية للفساد.  ذلك حيث أن كل  إنسان يتحمس  لمحاربة الفساد لأن كل الآخرين يحاربونه, وهو لن يمارس الفساد, لأنه يتوقع أن لا أحد من الآخرين سيجرؤ على ممارسته. إنه الوضع المضاد لوضع ساد وترعرع فى زمن النظام السابق (وهو لماذا أقوم أنا بمعاناة مقاومة الفساد, إذا كنت سأكون أنا الشريف الوحيد, بينما كل الآخرين يمارسون الفساد ؟).
وهكذا, الخصوصيات الأربعة تشير الى أن  المصريين هم الآن  (فى اللحظة التاريخيية الراهنة)  أكثر مايكونوا جاهزية للمقاومة الجموعية للفساد. وفى المقابل فإن أى تردد من الثورة (أو من المجلس الأعلى للقوات المسلحة) فى حسن إستيعاب الملائمة التاريخية للحظة الراهنة فى إقتلاع الفساد, سيكون من شأنه فرملة الثورة, وتأجيل إمكانية  المواجهة القومية للفساد لفترة جيل كامل (على الأقل), يكون الفساد خلالها قد إستكمل بيع الوطن والأحفاد.

ثانيا: الضرورات المفاهيمية اللازمة من أجل المواجهة الأمثل للفساد:
       
تتصدر  قمة هذه الضرورات أهمية وجود إدراك  شعبى عام للأهمية القصوى للحظة التاريخية الراهنة, كما جرت الإشارة اليها أعلاه.
بعد ذلك تأتى الضرورات أو الإعتبارات الثلاث التالية:
1-    أن مواجهة الفساد لابد أن تكون مواجهة كلية. ذلك أن الفساد كالميكروب, معدى وقادر على التكاثر. كما أنه قد خلق (ويخلق)  توازناته التى تحميه (كما السرطان). وعليه, إذا كان الفساد قد طال معظم مؤسسات الدولة, فإن مواجهته تكون بغير جدوى إذا جرت فى مؤسسة واحدة. نفس الشىء يمكن إعتباره على المستوى المؤسسى.
المواجهة الكلية إذن, فى الحالة المصرية, لاتكون مفيدة إلا إذا كانت شاملة للدولة ككل. ذلك يتطلب أن تكون على مستويات ثلاثة.  مستوى يختص بالتوجهات والسياسات والأولويات القومية والأدوات العامة, والتى تُمارس على المستوى القومى. إنه المستوى الإستراتيجى, والذى يرعى ويوجه ويُرشّد ويتابع المستويين الآخرين. ثم المستوى الوظائفى Functional  , والخاص بالمجالات والقطاعات. بعدها يأتى المستوى التشغيلى Operational   , والذى يختص بالأوضاع والتسيير داخل وحدات العمل.
2-    أن مواجهة الفساد لاتتم بمعزل عن الديمقراطية. ذلك الإعتبار لاينطبق فقط على الشارع  
السياسى, وإنما أيضا على التسيير الإدارى. ذلك أن "ديمقراطية الإدارة" تسهم فى مقاومة الفساد, خاصة مايعرف بالفساد الصامت, والذى يتم بذريعة  أنه لايؤذى أحدا, بينما هو الوعاء الموصل الى الفساد الكبير.  
     3-  أن مواجهة الفساد لاتكون بالكفاءة المطلوبة مالم تأخذ فى الحسبان الإستيعابات العلمية الخاصة به.  هذه الإستيعابات تتضمن ماهيته, وأنواعه (سياسى وإدارى ومالى...الخ), وحركياته, وأدواته, ومتطلبات قطع أوصاله, والمداخل الى سد المنافذ على إمكانات  وإحتمالات تجدده....الخ (الرقص مع الفساد - دار العين - 2011).

ثالثا: المتطلبات العملية / البراجماتية للقضاء على الفساد ومنع إعادة نموه:

يمكن تصنيف هذه المتطلبات الى ثلاث مستويات:
أ) المستوى الإستراتيجى:
يتضمن هذا المستوى متطلبات من أهمها كما يلى:
1-    بناء كيان تنسيقى قومى, يختص بالمجابهة القومية للفساد, وبمنع أية حركيات يمكن أن يكون من شأنها توليد فساد جديد. هذا الكيان يمكن أن يكون "وزارة مؤقتة" لمقاومة الفساد, ثم يتحول بعد ذلك الى جهاز قومى يختص بإستمرارية مقاومة ومنع الفساد, ويكون مسؤلا أمام المجلس النيابى.
2-    تنظيم عمليات إكتشاف ومجابهة وتحجيم مايمكن أن يطلق عليه "الفساد الطليق" فى كافة قطاعات الدولة. إنه الفساد الذى لم يكتشف (و/أو لم  يجرى تحجيمه) بعد, والذى يُعد مسؤلا رئيسيا عن إستمرار حركيات "السُعارالإفسادى", وعن التخلف المؤسسى (و/أو المجتمعى) للكيانات المصرية, مقارنة بما يماثلها فى بلدان أخرى.
3-    تصحيح وإدارة كوارث حدثت بالفعل, من جرّاء مسارات فساد محددة, وذلك مثل:
= مسارات فساد إختصت بنهب ثروات الوطن, مثل الأراضى, والغاز, والخصخصة.
= مسارات فساد  أدت الى تغييب وتغريب وإحباط شباب الوطن (خاصة فيما يتعلق بالتشغيل وتكافؤ الفرص).
= مسارات فساد أدت الى الإنحراف بالخدمات الأساسية (مثل الصحة والتعليم والإعلام), وبأساسيات التطويرالإنتاجى (خاصة أنشطة الإدارة والبحث العلمى والتغيير التكنولوجى).
= مسارات فساد أدت الى النيل من الأمن الإنسانى.
    4 – إعادة تأسيس وإعمال القيم والأخلاقيات العامة المساعدة على مجابهة الفساد ومنع تولده (مثل الشفافية وتكافؤ الفرص).
ب) المستوى الوظائفى (والمعنى بالمجالات والقطاعات):  
يتضمن هذا المستوى متطلبات على غرار مايلى:
1-    كشف وإصلاح مايكون قد جرى من فساد فى التوجهات والإدارة والممارسات فى العديد من المؤسسات الحرجة فى الدولة مثل: بيت الشرطة – بيت التأمينات الإجتماعية – بيت الرقابة الإدارية – المؤسسات الرقابية المهنية (مثل الرقابة والبحوث الدوائية).
2-    الغاء دور القيادات (كأفراد) فى سن اللوائح والقواعد.
3-    الفصل الصريح بين المهام القضائية فى الدولة, ومهام الإستشارات القانونية فى المؤسسات.
4-    عدم شرعية المكتسبات القيادية و الإدارية والمالية التى تكون قد جرت من خلال ممارسات فساد, حيث يعتبر أصحابها من متبقيات النظام الفاسد, وبمثابة "تقاوى" مستقبلية للفساد, فضلا عن عدم شرعية ماإكتسبوه بالفساد.
5-    ترشيد خفض الأسعار, بالتوازى مع مايحدث من خفض فى التكاليف, نتيجة القضاء على الفساد والإحتكار.
6-    منع تأثير المال والسلطة على حرية الرأى.
7-    تصحيح أعمال التعسف بالسلطة, والتى كانت قد لحقت بالمقاومين للفساد.
8-    عدم السماح بوجود التواءات إدارية يكون من شأنها السماح ببيروقراطيات تؤدى الى توليد سلوكيات فساد.
9-    إستيعاب إمكانات ورؤى شباب الثورة كأداة تغذية إسترجاعية  Feed back  .
10 - إستيعاب رؤى وجهود المجابهين للفساد, بالنسبة للتسيير الإدارى والمالى, داخل وحدات العمل, بمختلف القطاعات, وذلك باعتبارهم شركاء فى الثورة, وصناع لها على مستوى وحدات العمل.  هذا الفعل الثورى يمكن أن يكون إبداعيا, وأن يجرى تنظيمه من خلال مايمكن إعتباره حلقات إبداع  Creativity circles ( القفز فوق العولمة – سلسلة إقرأ – دار المعارف – 2003 – ص 187) ,.

ج) المستوى التشغيلى:
هذا هو المستوى القاعدى للثورة, والذى يمارس فيه المواطن العادى دوره فى التطوير وفى مقاومة الفساد. هذا الدور, إذا ما تم تأصيله وممارستة بنجاح, فإن الثورة تكون قد نجحت فى جعل مصر تبدأ – عمليا - "من تحت لفوق", وليس طبقا لتوجيهات أية شخص, رئيس, أو مدير...إلخ.  وبالتالى, عندها تضيق وتوأد كافة خروقات الفساد, وتتفتح كافة فرص التطوير والتقدم.
مداخل وأدوات عديدة يمكن تطبيقها على المستوى التشغيلى. من أمثلة ذلك: الديمقراطية الإدارية -  الشفافية, والعلانية - تدوير السلطة (بعدم بقاء المسؤل فى مكانه أطول من فترة زمنية محددة).  هذا, مع الأخذ فى الإعتبار أن نجاح مقاومة الفساد عل المستوى التشغيلى يكون مرهونا
بالنجاح على المستويين الأعلى (الوظائفى و الإستراتيجى).
 
رابعا - ميكانيزمات تختص بضمان منع بزوغ الفساد بعد أن يكون قد تم إقتلاعه.
تتمثل هذه الميكانيزمات فى تواصل إستمرار تطوير العمل على المستويات العملية البراجماتية الثلاث المشار اليها أعلاه. ذلك على أن تكون المتابعة القومية للمستويات الثلاث منعقدة للكيان القومى الخاص بمقاومة الفساد, والذى يمكن أن يبدأ حاليا كوزارة مؤقته فى إطار المرحلة الإنتقالية, على أن يخضع للمسائلة والتقييم بواسطة البرلمان.
أما من الناحية المفاهيمية  فتتمثل الميكانيزمات فى عدد من التوجهات (الموجودة بالفعل فى الأمم التى تقدمت بالإعتماد أساسا على مقاومة الفساد), والتى تتضمن:
1)    جعل الفساد "نشاط فيه أكبر مايمكن من مخاطر وأقل مايمكن من عائد ".
2)    عدم السماح للمفسدين بالتمتع بماحصلوا عليه من مكاسب غير شرعية,  وجعلهم يشعرون بالعار, وجعل المجتمع ينظر اليهم بإعتبارهم عار عليه.
3)    الجدية فى بحث أمور الفساد تساعد الناس على المسارعة بتقديم تقارير عن الفساد, ومن ثم يتوالى النجاح فى الحرب ضد الفساد, نجاح يجلب نجاح.
               4) لاتوجد حالة فساد يمكن إعتبارها, مهما صغرت, أقل من أن تخضع للبحث والتعامل.
5)    ليس هناك إستثناء لأى شخص فى المواقع العليا, فكل العمليات والطرق (فى إستكشاف الفساد وبحثه وتجريمه) تطبق على الجميع.
   

 


(25)

إحتياجات الإرتقاء الحلزونى للثورة: 3/3- ممارسة التنمية من قلب مقاومة الفساد
دكتور محمد رؤوف حامد
[ هذا المقال لم يُنشر , وكان من المفترض أن يكون الثالث (والأخير) ضمن سلسلة نُشر منها مقالين – مايو 2011 ]

الإرتقاء الحلزونى للثورة يجرى من خلال دورات تغييرية متصاعدة, ناجمة عن التفاعل المتبادل بين مطالب وطموحات الثورة من جهة, والتحديات المقابلة من جهة أخرى.
فى هذا الخصوص, يعتبر الفساد تحديا رئيسيا فى مواجهة الطموح الى التنمية والتقدم المجتمعى, سواء كان الأمر يتعلق بتنمية وتقدم الوطن ككل, أو تنمية وتقدم وحدة عمل ما (مصنع – مدرسة – مستشفى ... الخ).
من أجل ذلك كانت الحاجة للقضاء على الفساد قوة دافعة للثورة, تماما مثلما الحاجة للديمقراطية, حتى أن الحاجتين معا (القضاء على الفساد والتحول الى الديمقراطية) يتكاملا ويعضدا بعضا, كغاية وممارسة فى آن واحد. ومن ثم, هما الوجهين الرئيسسين لقوة الدفع التى قادت البلاد الى الثورة.

وعليه, فلا وجود للثورة دون ردع الفساد ومحاسبة الفاسدين. وإذا كان ذلك أمرا ضروريا على المستوى الوطنى العام, كما يجرى الآن فيما يتعلق بمحاسبات لبعض الرموز القومية للفساد, فإن نفس الشىء وبدرجة أعلى, هو واجب الحدوث على مستوى وحدات العمل.
 ذلك بمعنى أن إستنهاض التنمية (أى إحداث تقدم فى الإنتاج والخدمات والقوى البشرية) على مستوى وحدات العمل, لايمكن أن يحدث دون ردع ومحاسبة الفساد والفاسدين, على مستوى هذه الوحدات.
الحقيقة العملية توضح أن الردع والمحاسبة على مستوى وحدات العمل لايقلا أهمية عنهما على المستوى الوطنى العام, بل قد يزيدا. السبب يكمن فى أن قدرات رموز الفساد داخل مستوى وحدات العمل تكون - نسبيا – أعلى. ذلك أن المُفسد يملك, بشكل مباشر وسريع, أن يؤذى من يناهضه, وأن يُغرى ويُثيب من يمكن أن يُمالئه. إضافة الى أن هذا الفساد هو الذى يؤثر بشكل مباشر على الأداء اليومى لوحدات العمل, بمختلف تنوعاتها.  وبالتالى, فهو يؤثر سلبا على مجمل حركيات ومخرجات الإنتاج والخدمات والقوى البشرية فى الدولة ككل.
من هنا, ينبغى عدم الإستغراب والإندهاش من موجات الإحتجاجات ضد الفساد فى وحدات العمل (وما يعتبره البعض مطالب فئوية).
المسألة ليست أن هناك ثورة قد قامت وأنه, بناء على ذلك, ينبغى على جميع العاملين فى كافة وحدات العمل أن يتقبلوا مايعتبرونه ظلم وفساد ضدهم أو ضد نظام العمل فى المؤسسة التى ينتمون اليها, على أساس مطالبتهم بالصبر حتى تصل تداعيات الثورة اليهم, فى وقت ما, حتى لو كان قريبا.

الحقيقة أن الممارسة الثورية لابد وأن تتضمن دعم هؤلاء العاملين تجاه الإضطلاع بأنفسهم بمهام الثورة على مستوى وحداتهم.  عندها, يصبحون هم "النظام" داخل وحدة العمل, ويمكن أن يكون لهم الباع الأكبر فى ترشيد أعمالها, بالقدر الذى يُعظم من كفاءتها وعائداتها, ويُعمق من إحساسهم بالإنتماء اليها, ومن قدرتهم الذاتية  بشأن تحديد المشكلات و التوصل الى الحلول المناسبة لها.

المطلوب إذن ليس إثناء العاملين عن الإحتجاجات, ودفعهم الى المضى الى العمل رغما عن إرادتهم, وليس أيضا الرضا باستمرارهم فى الإحتجاج.  فى ظل وجود الثورة, كلا الأمرين يُعد خطأ لايغتفر. ذلك أن السياق الثورى يتطلب المقاربة المناسبة (والفاعلة) للمطالب الجماعية (والمؤسسية) لهؤلاء العاملين.
أما عن "كيفية حدوث هذه المقاربة الفاعلة؟", فالبداية تكون من خلال التغيير فى القيادات على مستوى قطاعات الدولة, الأمر الذى لم يحدث بشأنه حتى الآن إلا قشور القشور . الهدف من هذا التغيير يكون تجميد فعالية القيادات التى كانت ضليعة فى الفساد, أو متوائمة معه, أوسلبية تجاهه.
المطلوب فى هذا الخصوص أن يكون الإحلال بقيادات من كبارالمقاومين للفساد, والذين يكونوا فى نفس الوقت من الكفاءات التكنوقراطية الوطنية الكبيرة.
الخطوة التالية تكون قيام القيادات الجديدة (من خلال فرق عمل) بإحداث تصحيحات فى  السياسات العامة على مستوى القطاعات. وبالتعامل مع أوضاع وحدات العمل بشفافية كاملة.  ذلك يتطلب إحاطة العاملين بكافة ظروف وحدات العمل, والإستماع منهم والحوار معهم, وبحيث يجرى تمكينهم من التفكير فى خطوات الإصلاح, وممارسة هذه الخطوات بأنفسهم.  كل ذلك فى سياقات تطويرية تغييرية, داخل كل وحدة عمل على حدى, وبالتكامل والتوازى مع نفس السياقات على مستوى وحدات العمل, داخل كل قطاع من قطاعات الدولة.
عندها, يتحول العاملون الى ممارسة إنتماءاتهم لمؤسساتهم بالفكر والفعل معا.
 قد يتطلب الأمر تغييرات فى المهام والقيادات على مستوى وحدات العمل, لمَ لا...؟ إنه أمر طبيعى وواجب الحدوث, شريطة أن يجرى من منظور التجاوب مع الرؤية العامة للعاملين بشأن تطوير وإستقامة العمل فى مؤسساتهم.
المعنى إذن يتضمن مايلى:
1)    أن تنتقل الثورة  بإسلوب خاص الى وحدات العمل.
2)    أن يجرى تحويل العاملين (فى إطار العمل الجماعى المخطط) الى أصحاب قرار.
3)    أن يُعامل العاملين بمنتهى الشفافية, وأن يجرى التعامل مع مطالبهم بمنتهى الفهم والصراحة والدقة. وذلك بهدف إتخاذ الإجراءات الكفيلة بتمكينهم (على إختلاف مستويات مسؤلياتهم) من مقاومة الفساد ودفع القدرات الإنتاجية والخدمية فى مؤسساتهم الى أعلى مدى ممكن.

وهكذا, يمكن لجماهير العاملين داخل وحدات العمل أن تساهم فى إنجاز الثورة على مستوى المؤسسات والوحدات, وبنفس لغة الثورة. إنها اللغة التى تختص بحل مشكلات الإنتاج ومقاومة الفساد, فى وقت واحد, ومن خلال عمليات وإجراءات لها طبيعة واحدة, تقوم على "الديمقراطية والتمكين".
عندئذ, يكون الإرتقاء الحلزونى للثورة كفئا, وآمنا, وطويل المدى.  إضافة الى ذلك, يكون قدر كبير من المجابهات ضد الفساد قد تم داخل قطاعات ووحدات العمل, بالإعتماد على ديمقراطية الإدارة و الشفافية, الأمر الذى يُجنب السلطات القضائية الإنشغال بما يمكن أن تحسمه الإدارة, كما يُجنب القيادات التقليدية السلبية الإرتكان الى التلكوء فى محاربة الفساد تعللا (أو تسترا خلف)  طول زمن التقاضى.
   
(26)

حتى تصل الثورة الى سقفها الإفتراضى
دكتور محمد رؤوف حامد
[هذا المقال كان قد أرسل الى جريدة أسبوعية معارضة, فى أوائل يوليو 2011, لكنه لم ينشر, وفى الأغلب بسبب ظروف لوجيستيكية غير عادية كانت تمر بها هذه الجريدة ]

بعد أن سقط رأس النظام, أصبحنا فى "حالة ثورة", وليس فى ثورة. مجرد إسقاط رأس النظام, هو مجرد إجتياز لعتبة رئيسية تحقق التوليد لمسار الثورة, والذى من المفترض أن يستمر حتى بلوغ سقف معين من الإنجازات, هو السقف الإفتراضى للثورة.

 عند إكتمال تحقق الوصول الى السقف الإفتراضى للثورة, تكون الثورة قد تحققت. وأما إذا حدث إنحراف فى المسار الى السقف المفترض, فإن حالة الثورة تكون قد تاهت أو تبعثرت.

ما نود جذب الإنتباه اليه هنا هو وجود خطر يهدد وصول حالة الثورة الى سقفها المفترض. ماهو هذا السقف ؟, وماهو الخطر؟,  وكيف يمكن تخطيه؟  

عن سقف الثورة, يمكن القول أن الثورة المصرية, كحالة,  تكون قد وصلت الى سقفها, إكتمالا ونضجا, عندما توصل الشعب المصرى (بكافة مؤسساته الإستراتيجية, مثل البرلمان والقضاء والإعلام والحكومة... الخ) الى  وضع يصبح فيه قادرا على توليد إرتقاءاته وحماية إنجازاته بميكانيزمات تلقائية, شفافة وديمقراطية, دون الحاجة الى ثورة جديدة.

ذلك يعنى أن هناك مسار لحالة الثورة المصرية, يفترض أن تمر به, بدءا من إسقاط رأس النظام,و حتى الوصول الى السقف المشار اليه.

وإذا كانت اللحظة التاريخية الخاصة ببدء حالة الثورة قد تمثلت فى "الجماعية",  إلا أن المشكلة  بعد ذلك, أن قوى الثورة, بكافة أطيافها, أصبحت تتصرف وكأن جماعية  المليونيات هى الثورة ذاتها, أو هى أداتها الوحيدة, وذلك بحيث أن تحقيق أية متطلبات فى المسار الثورى صارت تحتاج  ضغط  الجماعية.

كوادر قوى الثورة لم تدرك أن الجماعية جائت كمدخل وحيد, لإبداع شعبى وطنى من أجل إنجاز التغيير, فى ظل عدم وجود إمكانات أخرى لتداول (أو تغيير) السلطة.

وإذا كانت الجماعية, قد أدت بالفعل الى خطوات إرتقائية, مثل تقديم بعض رموز النظام للمحاكمة, وحل بعض المجالس. إلا أنها فى مجملها خطوات قليلة كيفا وكما, بل ومتقطعة.  حتى أن جدية وتكاملية,وإكتمالية هذه الخطوات, صارت عرضة للتآكل.

هنا لاينفع أن نلوم جهة بعينها.  من المطلوب أولا,  وقبل  التوصل الى أى إفتراض, إلقاء نظرة كلية (بعين طائر فى السماء) على مشهد الثورة فيما بعد إسقاط رأس النظام.

هذه النظرة تشير الى مايلى:
-    أن الأفعال التصحيحية, التى حدثت حتى الآن بفعل الثورة, لم تحدث إلا فى سياق (وكرد فعل على) المليونيات. ذلك رغم أن عدد التصحيحات المطلوبة أكثر من أى عدد ممكن للمليونيات (مرة كل جمعة).
-    وجود تضارب فى الدعوة الى المليونيات.
-    بزوغ قرارات متعجلة من المجلس العسكرى, وأخرى غير كفئة, أو غير مناسبة من الحكومة.
-     إختلاط الإسود (والذى يمثل القوى المضادة للثورة) بالأبيض (والذى يمثل قوى الثورة), مما يؤدى الى رمادية الشارع السياسى. وبالتالى إختلاط الأمور على الناس, و السماح بتمكين القوى المضادة من تهديد المسار الثورى, كما بدا فى أحداث الفتن الطائفية وتظاهرات عائلات شهداء الثورة.

هناك إذن سلبيات رئيسية فى المسار القائم لحالة الثورة. الإشكالية الرئيسية المولدة لهذه السلبيات تتمثل فى أن الثورة ذاتها لم تتطور فى بنيتها منذ لحظة إسقاط رأس النظام.
 
لقد وُلدت الثورة كجسم, والذى هو "الجماعية" (للأسباب المذكورة أعلاه). لكن ولادة هذه الجماعية, أو الجسم,  كان من المفترض أن يتلوها  توليد الرأس من الجسم, الأمر الذى قد تأخر, ولم يحدث حتى الآن.

 ومع تأخر ولادة الرأس, صار الجسم القوى, المفتقِد الى الرأس, لايعرف أحسن مايمكن أن يفعله تجاه الخطوات التالية فى مسار الثورة.
.
وهكذا, فى ظل الجماعية  كجسم بدون رأس, يمضى الزمن, بينما متطلبات المسار الثورى تتزايد, ولايتحقق شىء منها.  لذلك يتململ الشارع, فتتعدد توجهاته وتخطلت, الأمر الذى يُسهل وقوع الأخطاء, ويُسهل الإيقاع بين القوى وبعضها.  سواء كانت هذه القوى تتعلق بالشارع, أو بالمجلس العسكرى, أو بالحكومة, ........ وفى النهاية يُمهد الطريق لأعداء الثورة.

وعليه, هذا الوضع السلبى القائم,  صار يؤدى الى قدر من الترهل وبعض الشواش فى الشارع السياسى, سواء يتصل الأمر بالجماعية, أو بالأمن, أو بالحركيات والعلاقات, بين المجلس العسكرى والمسار الثورى.

جوهر الإشكالية القائمة إذن, يتمثل فى عدم ولادة  رأس للثورة, وفى تواصل الحرج والشواش فى تعامل المجلس العسكرى مع متطلبات الثورة, فى غياب رأس (أو قيادة) لها.

لقد أدى هذا الوضع الى تراكم عديد من المتطلبات الثورية دون إنجاز, مما  يضعف المسار الثورى. من أهم هذه المتطلبات يمكن الإشارة الى القائمة التالية:
1)     رسم إستراتيجى للتوجهات طويلة المدى.
2)    تفريغ البلاد من الفساد, من خلال منظومة وطنية متخصصة.
3)    وصول الثورة الى كافة القوى الشعبية التى شاركت فيها.
4)    معاونة المجلس العسكرى كقوة تسييرية لمجريات أمور الوطن.
5)    تحول الحكومة الى حكومة ثورة, من خلال التحولات الضرورية فى السياسات العامة, و مراجعة الحكومة فى أدواتها وأعمالها,طبقا لمتطلبات حالة الثورة.
6)    المحاسبة على الفساد السياسى.
7)    تغيير ثقافى إعلامى فى إتجاه ضبط  الأمن وأخلاقيات الشارع, وإحداث تكاملات بين عمليات الثورة, و الديمقراطية الإدارية, ومجابهة الفساد, وتطوير الإنتاجية.
8)    التحدث بإسم قوى الثورة فى الداخل والخارج..

مايمكن التأكيد عليه, أنه يمكن بسهولة إجتياز  كافة هذه النواقص (أو المتطلبات), إذا ما كان للثورة مجلس لقيادتها.  حينئذ تتضح الإتجاهات, ويكون أمام المجلس العسكرى كيان (يمثل رأس للثورة), يمكن التفاعل معه, أخذا وعطاء.

هناك  إذن حاجة قصوى الى توليد رأس (جماعية) لقيادة الثورة, مع إستمرار مليونيات الجمعة, ولكن كجمعية عمومية للثورة, وليس للتعامل مع إحتياجاتها اليومية, والتى من المفترض أن يتولى شؤنها المجلس القيادى الجماعى للثورة.

 عندها, يمكن  الوصول بالبلاد الى السقف المفترض للثورة فى أقرب وقت ممكن.

وأما مع إستمرارية حالة "محلك سر" القائمة  للثورة, تتفتح الفرص لتصاعد عزم  وحركيات القوى المضادة, سواء فى الداخل أو الخارج.

وهكذا, يمكن القول بأن قدر من الخلل ينتاب فيزياء حالة الثورة فى اللحظة الراهنة,  وأن المدخل الى تصحيح هذا الخلل يكمن فى تشكيل مجلس للقيادة الجماعية للثورة.

وأما بخصوص الطريقة الخاصة بالتشكيل, فلابد وأن تعتمد على عصف ذهنى رشيد بين ممثلين للقوى الرئيسية للثورة.


رابعا – حوارات صحفية
(27)
د.محمد رؤوف: نريد وزارة لمكافحة نوادي الفساد
الوفد الإلكترونية – 11 أبريل 2011

حوار- شيماء أحمد:
الأثنين , 11 أبريل 2011 18:53

د. محمد رؤوف حامد قامة علمية بارزة، حارب خصخصة قطاع الدواء التي تهدد جديا صحة محدودي الدخل، كما عرف بتصديه لفساد هيئة الرقابة الدوائية ووزير الصحة السابق د. حاتم الجبلي ما تسبب في إقالته قسرا عن عمله .. هو أيضا مؤلف كتاب حديث باسم "الرقص مع الفساد" .
عن الكتاب وعلاقته بثورة مصر دار حوار مع العالم المصري الذي يعيش وزوجته بإريتريا. وأشار رؤوف لدول تحولت من الأكثر فسادا للأعلى شفافية بعد تغيير نظام الدولة، ما يفتح الباب أمام مصر خاصة لو أطلقت وزارة مختصة بمكافحة أندية الفاسدين التي حمت أصحابها طويلا في عصر مبارك .. فإلى نص الحوار
ما الداعي لوزارة مكافحة الفساد؟
بعد الثورة نحتاج للخروج من الصندوق التقليدي للتفكير ، فالفساد في مصر "تمأسس" أي تنامى نفوذه إلى حد أصبح هو السلوك الشرعي على مستوى الدولة ووصل إلى حد السلب الحاد من ثروات الدولة والانحراف بالطاقات الإنتاجية والخدمية والإضرار بالثروة البشرية والأمن الإنساني .
ووصل إلى حد الاقتلاع الكلي للديمقراطية لحساب ملوك الفساد، والذين أصبحوا ملوك الوطن، ولهذا قامت الثورة لاسترجاع الكرامة والديمقراطية المنحورتين.
بعد الثورة رأيت أن محاربة الفساد يتطلب منظومة قومية تبدأ من حكومة تصريف الأعمال الحالية لأنه لا مجال للانتظار في ظل بقايا الفساد من علاقات وقيم وأموال وقيادات تؤثر في الشارع السياسي الوطني ويمكن أن تضطرنا لثورة من جديد .
والوزارة الجديدة عليها وضع السياسات والتنسيق والمتابعة مع الجهات المختلفة لمواجهة الفساد، رقابية وقضائية وإعلامية وأهلية معنية ، ثم تتحول الوزارة إلى جهاز قومي لمكافحة الفساد يكون مسئولا أمام البرلمان .
لماذا تركز بكتابك على السويد وسنغافورة؟
لكل من الدولتين خصوصية بشأن مقاومة الفساد، وهما الآن بين دول العالم المتقدمة في الشفافية والخلو من الفساد ولهذا أرى أن علينا الاستعانة بخبراء من كلتيهما.
 
السويد كانت قبل منتصف القرن التاسع عشر الأكثر فسادا في أوروبا ثم حدثت بها تحولات في إدارة الدولة جعلتها مع الثلث الأخير من هذا القرن من أنظف دول العالم من الفساد رغم كون طبيعتها اشتراكية وهو ما كان يجعل خبراء البنك الدولي في حالة عجب منها لأنه يفترض وفق نظرتهم أن تكون مرتعا للفساد مع كبر حجم قطاعها العام.
فيما يتعلق بسنغافورة ، فهي دولة صغيرة فقيرة ضعيفة الموارد، تحولت على مدى سبعينات وثمانينات القرن الماضي إلى دولة قوية اقتصاديا، بفضل التزام سياسي قوي من قيادتها بتطهير البلاد من الفساد.
إنحرافات قاتلة
ما "الانحرافات القاتلة" بمكافحة الفساد سابقا وفق كتابك؟
أولها تدني صلاحيات أجهزة محاربة الفساد في مقابل صلاحيات قيادات الحكومة، حتى إن الأولى لا تمارس عملها إلا من خلال الأخيرة ! ، وكذا سهولة قيام السلطات الحكومية بتحويل المقاومين للفساد لمتهمين، في ظل غياب أي جهود تعين الإنسان العادي على مقاومة الفساد .
من جهة ثالثة كنا نشاهد تتالي ضلوع قيادات من الحزب الحاكم ومن الحكومة في عمليات فساد كبير، دون أن يصحب ذلك مراجعة حاسمة وجذرية من أي جهة .
كنا نرى أيضا ركوب البيزنس لمنظومات الحياة السياسية، مما أدى لشيوع "أخلاقيات البزنسة" فامتلأت الحياة اليومية بالفساد الصغير والصامت ، ما من شأنه توفير الغطاء ورفع مستوى الاستحمال لممارسات الفساد الكبير.
أخيرا كنا نشاهد تنامي عدم الاكتراث بمنع المفسدين من الاستفادة بعوائد أنشطتهم ، ما جعل من اليسير خروج لافتات وكتابات تحمل شعار "معلهش" بشأن ما فات، ولنبدأ المحاسبة "من الآن وطالع" .
هذه الانحرافات كانت في ضراوتها أشبه بتسونامي لوث تربة الحياة في مصر ( إداريا واجتماعيا واقتصاديا) بقدر خطير يستحيل منع إعادة نموه إلا بثورة كبيرة .
هل ثمة تلكؤ بمحاسبة "الرؤوس الكبيرة"؟
الرؤوس الكبيرة للفساد شبكات ممتدة من العلاقات والمصالح، يشكلون ما يوصف بنوادي الفساد وبداخلها يجري توفير الحماية لهم . ولكن الثورة بحد ذاتها تلعب دورا تاريخيا ضد التلكؤ أو التهرب بشأن المحاكمة للفاسدين لأنها تقطع سبل التحرج في العلاقات الشخصية بين كبار الفاسدين وكبار رجال الدولة .
وعلى الشباب حراس الثورة عدم الاكتراث بالفئة التي تسعى لمصالحها الخاصة والمحافظون بطبيعتهم ضد مواصلة العمل الثوري، لأن هذا التوجه المحافظ يعمل مع الوقت على تآكل الثورات
ثقافة الفساد
البعض يرى أن ثقافة الفساد لن تبرح مصر قريبا؟
نعم الفساد ثقافة، ولكنه سيرحل قريبا خاصة أننا نخوض فترة ثورية تمثل جوا مهيأ تماما لأن يصبح الفساد في نظر الناس نشاطا معيبا يجلب العار للضالعين فيه.
هناك نظرية "كيف يلعب الآخرون؟" وتعني أن يقوم كل مواطن بما يتوقعه من الآخرين بعد الثورة، فالإنسان عادة يحارب الفساد حينما يعلم أن الآخرين يحاربونه، وهو لن يجرؤ على ممارسة الفساد لأنه يعلم أن أحدا لن يتمكن من ذلك أيضا، وهو وضع مضاد لما كان سائدا في زمن النظام السابق، وهو لماذا أتحمل معاناة مقاومة الفساد بينما كل الآخرين فاسدون؟
كيف نقاوم "فلول النظام" السابق؟
طالما هناك ثورة، من الطبيعي أن تكون هناك ثورة مضادة . لهذا نحتاج لطريقة ثورية للتصدي، يتدخل بها الجانب السياسي أو الاستراتيجي العام ويختص بتحجيم ومحاكمة رؤوس النظام الإفسادي السابق، كما نواجههم عبر مستوى القطاعات ( الإعلام، الصحة، التعليم .. وغيرهم) عبر إطلاق الشفافية داخل هذه الأجهزة بواسطة قيادات مشهود لهم بالخبرة والنزاهة، وعبر توعية العاملين أن من مصلحتهم مكافحة الفساد بمؤسساتهم.
 
وأرى أن رفض الحكومة للتظاهرات التي يسمونها بالفئوية هو أمر مضاد للثورة في حد ذاته، لأن تلك المطالب الاجتماعية نتجت عن عمليات فساد وديكتاتورية وقهر وتعسف، وهي لن تتوقف إلا بعد أن تختفي الحاجة إليها، بمعنى أن تشارك قوى الثورة في التسيير الإداري الديمقراطي داخل وحدات العمل .
كل ذلك يتم عبر استيعاب فكرة أن الفقر والجهل هما الوقود الأساسي للثورة المضادة، ومن هنا تكون الحاجة ماسة لتفعيل دور وسائل الإعلام والتعليم والثقافة.
هيئة الدواء الفاسدة
كيف واجهت الفساد في حياتك العملية؟
منذ أن كنت طالبا بكلية الصيدلة عام 1968 شاركت بأول انتفاضة طلابية ضد تدخل المباحث العامة في الحياة الجامعية وتم التحقيق معي إلى أن عرفت أن الرئيس جمال عبدالناصر أوصى بعدم ملاحقتي، ثم ساهمت مع زملاء في العام نفسه بتغيير عميد الكلية وهو منشؤها فقط لأنه استمر 20 عاما بمنصبه.
في بولندا حيث كنت أدرس الدكتوراة أصدرت مع زملائي نشرة "صوت مصر" لمقاومة تدخلات المكتب الثقافي بالسفارة المصرية السافرة ضد مجتمع المبعوثين.
وفي ليبيا حيث كنت أدرس للطلبة هناك بكلية الصيدلة جامعة الفاتح عامي 1981، 82، ووصل الطلاب لمستوى متقدم للغاية بحثيا وعلميا ( تم الاحتفاء بالأبحاث المشتركة بيننا في باريس كنموذج لمساهمة العرب في المعرفة العلمية بمجال العلوم الطبيعية فيما بعد عام 2009) ، مما أغضب أساتذة ليبيين جدد، وطلبوا مني التدريس بالطريقة التقليدية وبالطبع رفضت وبعد مناظرة علنية طويلة انتصرت الكلية لرأيي .
عدت بعد ذلك للعمل في مصر وشاهدت الانحطاطات الكبيرة في الأداء الرقابي البحثي بهيئة الرقابة الدوائية 1987 وتم إيقافي عن العمل واقتلاع المعمل وتشتيت طاقمه، وكان د. يوسف إدريس الأديب الكبير أحد شهود هذه المحطة كمفكر مقاوم للفساد.
لكن الأخطر جاء عام 2007 و2008 حينما شاهدت تحول هيئة الرقابة والبحوث الدوائية، وهي هيئة قومية، لجهة خادمة للشركات وليس مراقبة لها ودافعة لتطوير المنتج الدوائي . وهو مخطط مواز تماما لفكرة الخصخصة التي سادت مصر، حتى إن مجلس الإدارة المشار إليه كان يضم بعض الكبار بلجنة سياسات الحزب الوطني.
لماذا دعوت لوزارة بحث علمي مستقلة؟
هذه الوزارة ينبغي عليها توجيه الإدارة السياسية للبحث العلمي والتغيير التكنولوجي على المستوى القومي، وهي تحشد إمكانات البحث العلمي في المؤسسات الإنتاجية أو الخدمية والمراكز البحثية التابعة للوزارات أو الجامعات.
وستدرس هذه الوزارة حاجات التقدم والأمن واستشراف التحديات العالمية والإقليمية في العلم ، والمساهمة في اندماج وحدات البحث العلمي لتطوير الوزارات والجامعات التي تتبعها.
وبالمناسبة أرى أنه يجدر بنا إعادة "عيد العلم" لتكريم أصحاب الإنجازات العلمية من الأفراد والمؤسسات ، مع ضرورة توليد الطلب على البحث العلمي داخل مصر داخل مكونات عمليات الإنتاج حتى لا نواجه خطر اصطياد العقول من جهات غربية .
ما طبيعة نشاطك وعملك بإريتريا؟
أقوم وزوجتي وهي أستاذ علم أدوية أيضا بممارسة التعليم الجامعي في أسمرة بإريتريا تلبية لدعوة شخصية، وقد ساهمت بوضع منظومة كاملة للبحث العلمي في مجال الصحة هناك وهي قيد التطبيق حاليا. أعتبر أن دوري هو المساهمة بتطوير العقل الجامعي المتسائل ، وتأسيس حلقات نقاش في العلوم والثقافة والرؤى الأكاديمية والمنشورات البحثية والكتاب والسينما العلمية .
ما الكتب التي تعد لإصدارها قريبا؟
أعمل بثلاثة مشروعات لكتب، أحدها يتعلق بالتفكير العلمي، والآخر بمشكلات التنمية في دول الجنوب، والثالث يتعلق


(28)
حوار (عن الثورة) مع جريدة أسبوعية قومية - تم ولم يُنشر
[حوار تم فى مايو 2011 , بناء على طلب من جريدة أسبوعية (من الجرائد القومية الكبرى) لكنه لم ينشر رغم الترحيب الكبير به, بعد إرسال الإجابات, حيث قد  ُوجهت الأسئلة وأرسلت الإجابات عبر الإنترنيت, لتواجدى خارج البلاد]
وفيما يلى قائمة الأسئلة كما وصلتنى بالضبط, وبعدها قائمة الإجابات, كما قد تم إرسالها بالضبط:
أولا – بخصوص الأسئلة:
 
أسئلة الحوار مع الدكتور محمد رؤوف حامد:
1)    علي مدي تاريخك المهني واجهت العديد من أشكال الفساد وكانت لك وقفات حاسمة ومشرفة ضد هذا الفساد الذي انتشر في حياتنا بشكل مفزع وجاء ت الثورة وسقطت معظم أقنعة الفساد ؟ هل كنت تتخيل ان يكون حجم الفساد بكل هذا الاتساع ؟ أم انك فوجئت مثل الكثيرين من الشعب الطيب بهذا الهول من الفساد ؟
2)    قلت في مقدمة كتابك الصادر حديثا " الرقص مع الفساد " أن الجميع يتحدث عن الفساد ويمقته، بينما الفساد يمرق عبر الجميع، مع تحاشى معظم هذا الجميع للمواجهة، عملا بمبدأ من خاف سلم، حيث تترك مقاومة الفساد لقلة باسلة، تتحمل النضال ضده، برغم التحولات غير الشرعية الحادثة، التي تؤدى إلى إنقاذ وتكبير المفسدين، وتحويل مقاومى الفساد إلى متهمين». كيف واجهت الفساد في حياتك ؟ وما هي نتيجة هذه المواجهة؟

3)    هل  كان موعد الثورة مقدرا من وجهة نظرك كنتيجة حتمية للأوضاع المتردية التي كانت عليها مصر قبل الثورة ؟

4)    هل سقوط النظام وحدة يعني نجاح الثورة ؟

5)    رجل الشارع وكثير من المثقفين لا يشعرون بنتائج الثورة ، وان فرحة الناس قد انطفأت بعد مرور مائة يوم عليها .. هل توافق علي هذا الإحساس الذي يكاد يكون إحساسا عاما ؟
6)    هل نحن في حاجة لمليونية جديدة لإنقاذ الثورة ؟

7)    كيف تري مصر الآن ؟ وكيف تراها في المستقبل ؟

8)    يقال أن لكل ثورة أعداء .. من هم أعداء ثورة 25 يناير؟

9)    ما هو رأيك في قضية المصالحة مع رجال المال والأعمال مقابل استرداد الأموال المنهوبة ؟
10)    ما هو في رأيك النظام السياسي الذي يناسب مصر في المرحلة القادمة هل يكون نظام رئاسي أم نظام برلماني ؟
11)    هل تؤيد الدستور أولا .. أم الانتخابات البرلمانية .. وإذا كانت الإجابة بنعم كيف يتم اختيار لجنة إعداد الدستور ؟ ومن الذي يقوم بالاختيار ؟
12)    ما هي المواصفات التي تراها في رئيس الجمهورية القادم؟
13)    ما هي قصة سفرك  وعملك في اريتريا ؟ ولماذا اريتريا بالذات ؟!


سيدي الفاضل :

أرجو أن أكون قد وفقت في اختيار أسئلتي ، وان أجد لديك الوقت  وسعة صدر للإجابة عليها ، واعذرني إذا كنت أثقلت عليك بهذه الأسئلة ولكني كلي ثقة من انك كعاشق قديم لمصر أن تلبي غايتي وان شئت إضافة أو حذف أي سؤال فلديك يا سيدي الحرية التامة في ذلك  .

مع خالص احترامي لسيادتك
زينب
( جريدة ........    ........   )


ثانيا بخصوص الإجابات:

الفاضلة الأستاذة زينب.
تقديرى الكبير لأسئلتكم المهمة , المختارة والمصاغة بعناية, وبهَمْ   Worry/Concern   وطنى كبير.
ومع المعذرة من جانبكم لتأخرى فى تحرير الإجابة, وللإطالة, أرجو عدم التردد بشأن أى إستفسار,
لكم أطيب الأمنيات,.........
                                           رؤوف حامد 

إجابة السؤال الأول:
لا لم تكن هناك أية مفاجئة, فحجم الفساد الذى جرى زرعه ودعم إنتشاره فى مصر هو أكبر بكثير مما تمت الإشارة اليه بعد الثورة, والذى لايزيد عن 10% من الفساد الذى حدث بالفعل.

 إجابة السؤال الثانى:
الحقيقة أن مواجهة الفساد فى زمن الفساد (أى قبل الثورة) كانت أمرا غاية فى التعقيد والصعوبة.

التعقيد يرجع الى أن عملية الفساد تجرى حمايتها بواسطة شبكة من العلاقات والإلتفافات (والتى تمثل بحق "نوادى للفساد"). نوادى الفساد هذه وظيفتها "غسل الفساد", و تلويث و/أو إنهاك المقاومين للفساد بكل الصور الممكنة. غسل الفساد يعنى تمرير الفساد وإسباغ الشرعية عليه (بالتزوير), وإخراج المفسد من الإتهام (كإخراج الشعرة من العجين). ولقد كان من أهم أعضاء نوادى الفساد إداريين كبار (فى الحكومة) و قانونيين كبار (من بعض رجال القضاء ومن بعض أساتذة الجامعات), وأعضاء من لجنة السياسات فى الحزب الوطنى.

   أما عن الصعوبة فقد كانت تأتى من عدم وجود قيادة أو جهة مسؤلة فى الدولة يمكن اللجوء اليها. ذلك أن القيادة السياسية المسؤلة, أى الوزير المختص, هو  فى العادة - المؤسس والراعى الحقيقى لتمرير وغسل الفساد فى مجال وزارته.
 
الأمثلة كثيرة جدا جدا,.... لكن دعينى أذكر أننا قد إكتشفنا (كمجموعة من الأساتذة والباحثين المقاومين للفساد فى الرقابة والبحوث الدوائية) أن الوزير المختص كان يُسخر كبار معاونيه لجمع المعلومات من المقاومين للفساد, ليس من إجل معرفة الحقيقة ومنع الفساد, كما كان يقال لهم , وإنما من أجل بذل كل مايستطيع من تمرير للفساد (وحماية للمفسدين). ولم يحدث على الإطلاق أن قَبل الوزير المختص أن يواجه هو أو أى من معاونيه المقاومون للفساد,سواء فى وسائل الإعلام (قنوات التليفزيون) أو فى المؤتمر الخاص الذى عُقد بنقابة الصحفيين. بل ولم يستجب الوزير لطلب (بتلغراف) من الأساتذة والباحثين بمقابلته, آملين فى منعه من تمرير الفساد العلمى.  ذلك بينما كان الوزير ومساعديه يمررون الفساد ويعرقلون جهود المقاومين للفساد بإصدار قرارات تعسف إدارى, وبفزاعة قضايا القذف والسب.

أما عن نتيجة المواجهة, فقد كانت على الدوام إجهاض مؤسسات الدولة, وسحق أية جهود لتقدمها, وإدخال الإحباط والخوف على العاملين فيها.   لذلك,  فمن النادر جدا العثور على مقاومة للفساد تكون قد نجحت فى تحقيق غايتها فى ظل النظام السابق. النجاحات كانت جزئية تماما. وفى معظم الأحوال كانت قدرة الوزير على التفوق فى تمرير الفساد هى معيار لكفائته وإستمراره فى منصبه.
 من ناحية أخرى, وهذا هو الأهم, أن مجموع ماجرى من مقاومات للفساد قبل الثورة, قد ساهم, بشكل مباشر أوغير مباشر, فى إرتقاء الشارع السياسى المصرى الى المقاومة الجماعية للنظام السابق, وإحداث التغيير.
كل ماسبق ذكره فى الإجابة على سؤال حضرتك كان يختص فقط بوقائع مقاومة فساد قرب نهاية  النظام السابق (2007/2008). أما عن المجابهات الأخرى, التى قدرنى الله عليها وأكرمنى بها, فقد كانت فى أزمنة سابقة لم يكن نظام الحكم أثناءها رائدا للفساد كما وصل الحال اليه مؤخرا.

من هذه المجابهات وقائع مجابهة فساد إدارى علمى فى المجال الرقابى الدوائى (منذ أكثر من عقدين  - 1987/1988), وقد أدت الى إيقافى عن العمل, والحاق الأذى بالمعمل البحثى الذى كنت أديره وبالباحثين فيه. لكن مجابهة إعلامية من كُتاب وصحفيين عديدين (كان من أبرزهم الدكتور يوسف إدريس), وكذلك تناولات من الرقابة الإدارية وقتها, كان لهما إنعكاساتهما فى  قيام الوزير المختص بعمل بعض التصحيحات اللازمة, وإتاحة الفرصة لى للمساهمة فى تطوير الرقابة والبحوث الدوائية, وكان من ثمار ذلك أن قُمت, من خلال فرق عمل عظيمة من الزملاء فى الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية, بإنشاء أول مركز بحثى رقابى لمقارنة فاعلية الأدوية المحلية بالأجنبية (وهو مركز الإتاحة الحيوية للأدوية). لم يكن الفساد قد وصل وقتها بعد الى تغيير شرعية الأشياء, والى أن  يكون هو الظاهرة  القائدة للمجتمع.
 
ومن هذه المجابهات أيضا, ماجرى فى الستينات من القرن الماضى, مثل مناداتى بالتصدى والإدانة لتدخلات أجهزة الأمن فى حياة طلاب وأساتذة الجامعات فى الستينات, وقد جاء ذلك عندما كنت طالبا فى صيدلة الإسكندرية, فى إطار أول إنتفاضة طلابية فى عهد الرئيس عبد الناصر (24  فبراير 1968). كان من المتوقع وقتها أن يُطبق علىّ ما كان سائدا حينها من عُرف (أن أكون فيما وراء الشمس).   لكن ماحدث تمثل فى محاولة  المباحث العامة الصاق إتهامات غير حقيقية بى, وقيام رئيس نيابة العطارين بالتحقيق معى,...... هذا وقد أدت الإنتفاضة وقتها الى تغييرات كان أبرزها ما عُرف ببيان 30 مارس.

إجابة السؤال الثالث:
نعم كان قدوم التغيير الكبير (أى الثورة) متوقعا من وجهة نظرى, كنتيجة لثلاثة عوامل رئيسية, وقد ذُكرت جميعها فى إستشرافات موثقة (فى محاضر وكتيبات ومقالات وحوارات, خاصة فى السنوات الست التى سبقت الثورة ).
أولا: حدوث نقطة إنعطاف فى إتجاه الشارع السياسى. وكنت فى عامى 2005 و 2006 قد صرحت  بإحساسى بإقتراب قدومها. وفى عام 2007 رصدت حدوثها.
ثانيا: رصد حدوث إرتقاء حلزونى للشارع السياسى المصرى صوب التغيير الكبير. كان من شواهده (أو علاماته ) التى جرت الإشارة اليها, الإحتجاجات, وقدوم الشباب والمرأة والتكنولوجيا الى الحركيات السياسية.
رابعا: رصد وجود دورة زمنية للتغيير فى مصر. وأن مدة هذه الدورة  هى 35 عام (زائد أو ناقص عامين). وبإعتبار أن آخر قمة تغييرية (أى بداية الدورة السابقة) كانت عام 1974 , والتى تمثلت فى الإنفتاح الإقتصادى, فإن التغيير التالى كان متوقعا أن يحدث فى حدود عام 2009 (زائد أو ناقص عامين). أى أنه كان من المحتمل أن يقع فى الفترة من 2007 الى 2011. لقد جرى تناول هذه الدورة (مع إعادة النأكيد على نقطة الإنعطاف والإرتقاء الحلزونى للشارع السياسى المصرى) فى سلسلة من أربعة مقالات فى جريدة البديل (أعداد 17و18و19و20 أكتوبر 2007). كانت هذه المقالات بعنوان رئيسى " سر 2007". وكانت الأربعة عناوين الفرعية كالتالى:
1-    التعديلات الدستورية نقطة الإنعطاف.
2-    المشروع القومى لإعادة التضبيط.
3-    كيف يمكن الوصول الى عقل جماعى وطنى؟
4-    الإطار المرجعى والخوف من الديمقراطية.

الجدير بالذكر أن تلك الدورة الزمنية للتغيير, والتى أشرنا الى وجودها لأول مرة فى مقالات البديل عام 2007, أشار اليها بعد ذلك كتاب أجنبى صدر باللغة الإنجليزية فى منتصف العام التالى (2008), وكان بعنوان "فى داخل مصر".
لابد وأن نؤكد على أن المسألة هى إستشراف على أساس من التفكير والرصد على أسس علمية و أن الثورة (كتغيير كبير) قد جائت أكثر جمالا وأكثر إبداعا من أى ظن أو إستشراف.

إجابة السؤال الرابع:
سقوط النظام يعنى نجاح الثورة فى تخطى عتبة الفعل والتأثير. إنه النجاح فى إنجاز أن تكون البلاد فى حالة ثورة. لذا, يمكن القول بأن ثورة 25 يناير قد نجحت فى إحداث التغيير, وهو تحول مصر الى "حالة ثورة". هذا هو التعبير الذى أفضل إستخدامه. أى أن سقوط النظام يدل على نجاح تحقق تحويل مصر الى حالة الثورة. أما النجاح العام للثورة فيكون عندما تكتمل حالة الثورة, وذلك بوصولها الى سقفها الجوهرى (أو الموضوعى).
هذا السقف, والذى هو منتهى حالة الثورة, يتمثل فى وصول  الشعب المصرى (بكافة مؤسساته الإستراتيجية, مثل البرلمان والقضاء والإعلام والحكومة والنظام الحزبى... الخ) الى القدرة على توليد إرتقاءاته وحماية إنجازاته بميكانيزمات تلقائية, تتمتع بكل الشفافية والديمقراطية, دون الحاجة الى ثورة جديدة.

بمعنى آخر, سقف حالة الثورة يتمثل فى وصول مصر الى حالة مجتمعية ثقافية كلية أفضل. حالة تتولد فيها التغييرات الى الأحسن بشكل تلقائى, آمن وصحيح, فى ظل المنظومة الحياتية (الديمقراطية) الجديدة, منظومة مجتمع مابعد الثورة.  أى أن نجاح الثورة يكون بإنتقال مصر الى حالة التقدم المنظومى التلقائى.

إجابة السؤال الخامس:
نعم, هذا الإحساس العام موجود, وله دلالات وأسباب من الضرورى الإهتمام  بها. وفى هذا الخصوص أجذب الإنتباه الى مابلى:
1-    الثورة لم تصل بعد بشكل مجسم الى الحياة اليومية للإنسان العادى (خاصة فى مجال العمل).
2-    الحكومة الإنتقالية (أو حكومة تصريف الأعمال) مازالت بعيدة عن حالة الثورة, سواء فى توجهاتها أو أدوات عملها. وهى لن تكون قريبة من حالة الثورة ومعبرة عنها فى المرحلة الإنتقالية, مالم تتشكل من عناصر وطنية من كبار المقاومين للفساد فى العهد السابق والذين يكونون من كبار الخبراء وأصحاب الرؤية.
3-    لايمكن أن يشعر الناس بالإطمئنان مالم تبدأ قوة الدفع الخاصة بالإنتاج من خلال مقاومة الفساد.  ذلك بمعنى أن تكون "التنمية من قلب مواجهة الفساد". لن تتوقف الإحتجاجات أبدا من خلال قانون يمنع الإضراب, ولكن من خلال إحساس الناس بمصداقية الحكومة فى إحداث (ومقاربة) التغييرات المنشودة, الأمر الذى لن يحدث إلا بالد مج بين كل من, عمليات الدفع الى الإنتاج وعمليات مقاومة الفساد.
4-    الحاجة لإحداث تحول ثقافى عند العامة, وذلك بالتركيز على القيم التى أدت الى (وتجلت فى) جماعية الثورة.
5-    كل ماسبق ذكره من نقاط يشير الى أن المسار أصبح يحتاج الى "رأس للثورة". وإذا كان من طبيعة الثورة, فى بزوغها وبإعتبارها شعبية, أن لاتكون لها قيادة. مما أدى الى خاصية "الجماعية", كإبداعا تاريخيا.  فإن الإستمرار الأمثل لحالة الثورة يصبح مرهونا بالتوصل الجماعى الى "رأس  جماعية للثورة". هذه الرأس تمثل مجلسا تنفيذيا تنسيقيا للثورة. ومن الضرورى أن تكون حركياتها جماعية وكذلك قيادتها, وأن يجرى تشكيلها على أساس علمى بسيط وواضح وشفاف, وهذا أمر يمكن تناول كيفية إجراءه فى مقام منفصل.
مهمة هذه الرأس تتمثل أساسا فى صياغة أهداف الثورة (على أبعاد مرحلية), وفى التنسيق بين قوى الثورة وبعضها, والترتيب والتشاور مع المجلس العسكرى, والتنسيق والغربلة مع الحكومة.
بإختصار هذه الرأس الجماعية هى اللجنة التنفيذيية التنسيقية للثورة, بينما المليونيات هى الجمعية العمومية للثورة , وهذا مطلب كنا قد أشرنا اليه بتفصيل فى مقال نُشر فى أول مايو الماضى, بعنوان إحتياجات الإرتقاء بالثورة (البديل الجديد), وأيضا طرحناه فى حلقات نقاشية وحوارات إعلامية فترة زيارة قصيرة لمصر منذ حوالى شهر.


إجابة السؤال السادس:
سنظل فى حاجة الى المليونيات من أجل إستمرار وإستثمار وحماية حالة الثورة, لكن ذلك لن يكون مفيدا بالقدر المطلوب, فى غياب كل من حكومة قريبة من حالة الثورة , ورأس جماعية للثورة.

إجابة السؤال السابع:
أرى مصر  فى حالة كلية أرقى مما كانت عليه فى عهد النظام السابق. وأراها مؤهلة, بفعل حالة الثورة, للإرتقاء الى تحقيق التقدم الإنسانى الحقيقى.
أما عن رؤيتى لمصر المستقبل, فإننى أراها قادرة على ممارسة "التقدم الأسى", والذى يعنى التقدم بسرعة متزايدة لتعويض العجز الذى كان. التقدم الأسى هذا هو الطريق الرئيسى لإحداث حالة الرخاء الإقتصادى الإجتماعى لعامة الناس, وكذلك العودة الى المكانة الإقليمية الدولية اللائقة.  هذا, ويمكن تعريف التقدم الأسى باعتباره "الإستخدام الأمثل للزمن والجهد فى تركيب القدرات البشرية والمادية والمعلومات والمعارف والعلاقات المتاحة مع بعضها بطريقة تجعل الإنجاز يتحقق ويتقدم كما وكيفا بسرعة أسية" (يمكن هنا الرجوع الى كراس: التقدم الأسى- إدارة العبور من التخلف الى التقدم – المكتبة الأكاديمية – القاهرة - 1998).
وفى تصورى أنه من الوارد أن تصل مصر الى حالة التقدم فى غضون  5 الى 8 سنوات.   غير أن ذلك يتطلب الإنتباه الى خطورة وجود عيب رئيسى فى المسار الراهن. هذا العيب يتلخص فى وجود "زحمة رهيبة" من الأصوات العالية المتضادة. وإذا كان هذا أمر وارد ودليل على القلق المشروع من أجل حالة الثورة وتأكيد على رغبة الجميع فى إنجاحها, لكن المؤلم هو "غيبة التأمل الإستراتيجى الجماعى لأهداف الثورة ولمسارها". ذلك أن عديد ممن يفترض فيهم الإنشغال بزرع هذا  التأمل, قد إنشغلوا بمطالب ورؤى ومشروعات فردية, لإستثمار الثورة وفقا لمنظورات خاصة. وإذا كان من المفضل عدم ذكر أمثلة حتى نتجنب الفُرقة, فإننا نُركز  بشدة على أهمية التأمل الإستراتيجى, بشأن الأهداف والمسار, حتى ترتفع الأصوات والجهود فى مسار متناغم, من أجل ضمان نجاح الثورة, وحمايتها, وبدء مسار التقدم الوطنى بعجلة متزايدة (أى التقدم الأسى).

إجابة السؤال الثامن:
يمكن تصنيف أعداء الثورة (والذين يمكن أيضا تسميتهم بالقوى المضادة للثورة) الى ثلاث قوى رئيسية.
1 - قوى الفساد. تمثل هذه القوى تحديا مباشرا لمسار لثورة فى كافة مجالات الحياة, وفى شؤن السياسة. ولكن فى ظل الثورة تكون هذه القوى أكثر مايمكن إنكشافا ووضوحا, وتكون إمكانية تفريغ البلاد منها فى أقصى درجاتها, وذلك طبقا لنظرية "كيف يلعب الآخرون", حيث  تكون الأوضاع المصرية الراهنة هى الأنسب للمجابهة القومية الكلية للفساد ( كتاب "الرقص مع الفساد" – دار العين – القاهرة - 2011).

بتفصيل أكثر,  عموم المصريين يتشاركون فى الثورة. كل مصرى واع يمارس (أو يشارك فى) الثورة, وهو يدرك أن جميع الآخرين من المصريين يفعلون  مثله, وأنه هو أيضا يفعل مثلهم. وهكذا, كل مصرى يفعل مايفعله بقية الآخرين (من ممارسة للفعل الثورى). من المنظور الأكاديمى, وطبقا للنظرية السابق ذكرها ("كيف يلعب الآخرون"), فإن كل مصرى يتحمس حاليا  لمحاربة الفساد لأن كل الآخرين يحاربونه, وهو لن يمارس الفساد, لأنه يتوقع أن لا أحد من الآخرين سيجرؤ على ممارسته. إنه الوضع المضاد لوضع ساد وترعرع فى زمن النظام السابق (وهو لماذا أقوم أنا بمعاناة مقاومة الفساد, إذا كنت سأكون أنا الشريف الوحيد, بينما كل الآخرين يمارسون الفساد ؟).

2- الذات كتحدى. هنا يكمن أكبر تحدى كقوة مضادة للثورة.
يتمثل هذا التحدى فى أمور مثل:-
» داروينية السلبيات, كالجهل والفقر , حيث يسهل إستغلالهما فى مسارات مضادة للثورة.
» مستحدثات النظام السابق من سلبيات فى القيم والعلاقات (مثل القيمة التنفيذية للمال, وبدعة اللياقة الإجتماعية كحجة لمنع تكافؤ الفرص فى تولى المناصب, ..... الخ). ذلك إضافة الى مايمكن وجودة من عادات وأعراف يمكن إستخدامها فى سياقات مضادة للحالة الثورية.
» الإحساس الممكن بالغبن عند من لاتصل اليهم الثورة.
» إقدام الحكومة (أو المجلس العسكرى) على إجراءات متعجلة يكون من شأنها دعم ما, غير مباشر (أو غير منظور) لتوجهات أو قوى مضادة للثورة (خاصة عند إختيار القيادات, أو فى إجراءات تتعارض مع السياق السياسى الوطنى للثورة, مثل القروض الدولية).
» تواصل الصخب العالى للأصوات والرؤى القصيرة المتضادة, على حساب غيبة (وتغييب) الصناعة الإستراتيجية لأهداف الثورة,ولمساراتها.

3-    الآخر كتحدى. ربما يكون "الآخر" هو أضعف تحدى ضد الثورة, عكس ماقد يتوقعه البعض. النقطة الإستراتيجية هنا, أن القضاء على الفساد, والتخلص من سلبيات الذات كتحدى, يصنعا معا مناخا وأوضاعا وطنية يصعب معها نجاح الأعمال المضادة من الخارج. ذلك سواء كان هذا الخارج هو إسرائيل أو غيرها. بل وسيحاول الخارج عندها أن يتحول الى (أو يثبت أنه) صديق حقيقى.

إجابة السؤال التاسع:
التسمية العملية لهذا النوع من الحلول, ليس المصالحة, وإنما السماح للفساد لأن يحتفظ بإمكانية إعادة إحياء نفسه (؟!).
ذلك أن المقاومة الحقيقية للفساد, طبقا للخبرات الدولية, ترتكز على جعله نشاط يؤدى الى أعلى مايمكن من مخاطر. وهكذا, تكون المصالحة عبارة عن دعم  للمفسدين بإكسابهم  مناعة ضد المخاطر, الأمر الذى يعنى دعم إعادة توليد الفساد.

إجابة السؤال العاشر:
النظام البرلمانى.

إجابة السؤال الحادى عشر:
مع إحترامى للإختلاف فى وجهات النظر, أظن أن الحفاظ على حالة الثورة هو أمر أكثر أهمية من أى إجراءات أو ترتيبات أخرى, بما فيها مسألة الدستور.
 الرأس الجماعية للثورة, أكثر أهمية. أن تكون الحكومة فى قلب حالة الثورة, أكثر أهمية.  تفريغ البلاد من الفساد وبدء التنمية من قلب مقاومة الفساد, أكثر أهمية. إحداث تحولات ثقافية فى القيم تحت مظلة حالة الثورة, أكثر أهمية,....الخ.  وفى النهاية, التوصل الى الأهداف والمسارات الإستراتيجية للثورة, أكثر أهمية.

إجابة السؤال الثانى عشر:
رئيس الجمهورية الذى يأتى فى ظل الثورة يُفضل أن يكون فى الأساس مُفَكر.  بالمفكر لاأعنى الأيديولوجى (أو العقائدى) بالذات, وإنما أعنى الإنسان الذى يدرك أهمية "الفكر" بالنسبة للتطور والتقدم, وهو الذى يدرك أيضا أهمية التنوع فى إثراء وتعظيم "قوة الفكر". 
من الضرورى هنا أن نحدد أن المقصود بالفكر, هو الرؤى الناتجة عن إعمال "الحس المعرفى", والذى هو أداة مثلى للتعرف على الأشياء والحكم عليها, فى أوضاعها وتبايناتها, وفى أصولها وتطوراتها وتشابكاتها. وهو أيضا أداة مثلى للإستشراف المستقبلى, ولتحديد الأهداف ومتابعتها وتقويمها, وللتخطيط والتصرف, إستراتيجيا وتكتيكيا.
  الرئيس المفكر سيكون إذن, أكثر حيادية وموضوعية فى التعامل مع الآخرين ومع فكرهم. إنه الرئيس القادر على أحسن إستثمار وطنى طويل المدى لحالة الثورة.  وهو الذى ينتظر بفارغ الصبر اللحظة التى يترك فيها منصب الرئاسة  للآخر, حتى يسرع هو بالعودة الى التفاعل الفكرى بالأخذ والعطاء بحرية أكثر.
 
إجابة السؤال الثالث عشر:
قصة ذهابى الى إريتريا بدأت كإستجابة لنداء من صديق فلسطينى أردنى عزيز علىّ, هو  أحد أهم رجال صناعة الدواء فى المنطقة العربية, وكنا قد تشاركنا منذ أكثر من ثلاثة عقود (مع آخرين) فى "حلاوة المعاناة" من أجل المساهمة فى بناء أول  كلية للصيدلة فى ليبيا, وفى التعليم وبدء الأبحاث فيها.

لقد وجه الىّ هذا النداء عندما كنت مدعوا فى زيارة قصيرة جدا فى عمّان, لإلقاء محاضرة فى مؤتمر إتحاد الصيادلة العرب (إبريل 2008 ). وكان نداءه لى أن هناك حاجة قصوى لأن أساهم فى تعليم طلاب الصيدلة فى بلد إفريقى من البلدان الأقل نموا فى العالم, وهو إريتريا. وقد شرح لى ظروف ومعاناة هذا البلد, كبلد إفريقى ضعيف الموارد, ومعتمد على الذات, ومتطلع للتعليم.

لقد لقى نداءه لدى إستجابه فورية, نظرا لإهتمامى منذ السبعينات بتحدى التنمية فى العالم الثالث, وهو الأمر الذى قادنى عام 1979 الى صياغة الرؤية (أو النظرية) الخاصة ب "التقدم الأسى"
.
 وقد ساعدنى على الإستجابة أن زملائى الأصغر وأبنائى وبناتى من الأساتذة والباحثين بالهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية كانوا قد وصلوا فى إمكاناتهم وخبراتهم العلمية والإدارية وبخصوص مقاومة الفساد, الى درجة عالية, بحيث أصبح من الملائم والأفضل لهم أن يُقدموا على السباحة, رغم كل التحديات, تحت قيادة أنفسهم بأنفسهم.
 
وفى إريتريا, دُعيت بالإضافة الى التعليم الجامعى, الى تصميم منظومة للبحوث والدراسات العليا فى كافة العلوم الصحية. وقد تم بناء هذا التصميم من خلال فرق عمل جماعى جميل, وهو الآن رهن التنفيذ. إضافة الى ذلك أنشأت (من خلال فرق عمل أيضا) منتدى علمى ثقافى متنوع داخل جامعة (أو كولليج) العلوم الصحية.

الحقيقة أن ذهابى الى إريتريا لم يكن صدفة, حيث أجد نفسى منذ حصولى على الدكتوراة عام 1977 متجها دائما الى الجنوب. ذلك حيث جميع أبحاثى العلمية (وأبحاث تلامذتى) تختص بمشكلات الدواء والصحة فى العالم الثالث.   وأيضا, حيث قد عُدت الى مصر, مفضلا ذلك على عرضين للعمل فى الولايات المتحدة وفى المملكة المتحدة (فى السبعينات). وفى مصر, فضلت مواصلة العمل فى الرقابة والبحوث الدوائية عن  الجامعات (نظرا للأهمية القومية الحرجة لأنشطة الرقابة والبحوث, وبرغم البريستيج الشكلى للعمل فى الجامعات,  وأيضا برغم حبى للتدريس). وقد أكرمنى الله مؤخرا بأن أقدم (أنا والسيدة  الفاضلة زوجتى, وهى أيضا أستاذ فى علم الأدوية) مساهمة هناك حاجة اليها فى التعليم الجامعى فى جنوب الجنوب (دولة إفريقية من الدول الأقل نموا), وأنا سعيد بذلك. 
---------------
ربما يكون من المناسب أن أنوه فى الختام أن عملية مواجهة الفساد فى ظل الثورة لم تبدأ بشكل منظم (أى منظومى  Systematic ) بعد.

 

 

(29)


العالم محمد رؤوف : مجلس الثورة هو الحل !
الحوار منشور فى موقع المجيط 28 يونيو 2011

   

    د. محمد رؤوف       
محيط – شيماء عيسى
د. محمد رؤوف حامد خبير بصناعة الأدوية وأحد الوجوه الثقافية البارزة في مجال مكافحة الفساد .. كتب مقالات معارضة كثيرة للنظام السابق، واستمر في أنشطته الداعمة للثورة المصرية .
التقاه "محيط" قبيل سفره لإريتريا حيث يعمل بتطوير البحث العلمي، وسألناه عن آرائه بضرورة تفعيل مجلس الثورة المصرية، ولماذا تتحطم مؤتمرات الحوار الوطني المصرية على صخرة الواقع ؟! ..
اعتبر د. محمد أن التدهور كان متفاقما في عصر الرئيس مبارك في كافة المناحي، وكان النقد محدودا ولم يكن الغضب الشعبي صوته عالٍ كما يجري الآن . ولهذا فقد اقترح في أواسط التسعينات حينما بدأ يظهر أن الفساد ممنهجا وأننا لا نسير فقط في ظل حكم الفرد وإنما مجموعة تدير الفساد بينها نجل الرئيس، اقترح حينها أن يتم حوار وطني لإنقاذ ما يمكن إنقاذه يعتمد على الخبراء المشهود لهم بالخبرة والنزاهة دوليا والذين عاشوا جل أعمارهم لخدمة مصر، ولم يحدث الحوار للأسف.
لكن الحوار اليوم أصبح ضرورة ، كما يقول الخبير المصري، فنحن نعيش إنفلاتا كبيرا بعد الثورة، وعدد كبير من الإئتلافات التي ظهرت من رحم ميدان التحرير، وهي ذات توجهات مختلفة ويستحيل الجمع بينها، وقد أصيب المجلس العسكري بالكلل نتيجة التحاور مع عدد كبير من الناشطين والمثقفين دون الوصول لأي نتيجة .
وظللنا نقيم مؤتمرات للحوار الوطني، أحيانا تنتهي بدون مقدمات ، وأحيانا تتهم بأنها حكومية ويشترك بها ذيول النظام القديم، وأحيانا يكون هناك اتفاق على أنها وطنية مثل الحوار الذي يديره المهندس ممدوح حمزة وعدد من الشرفاء ولكن لا يصلوا لنتيجة واضحة نتيجة العدد الكبير الذي يتخطى الآلاف من المشاركين في الحوار وصعوبة تحديد أهداف ونتائج ملموسة بشكل منهجي .


   

    ثورة مصر       
رأس الثورة
يقول د. محمد:  الحل في مجلس ثورة والذي أشبهه برأسها المفكر، كما يحدث في كل ثورات العالم، هذا المجلس يتكون من عشرات الرموز الوطنية ذات المصداقية عند الشارع، والتي تعد ممثلة للأحزاب والجماعات الفكرية والسياسية المتنوعة، وتتضمن في جانب كبير منها شباب الثورة نفسه.
هنا يكون لدينا وسيلة هامة للضغط الشعبي لتحقيق المطالب الثورية، وحتما سيكون لزاما على المجلس العسكري الإستماع لهذا المجلس قبل اتخاذ أي قرار ، لأنه المعبر عن الشعب.
 وبالعكس أيضا، يمكن لمجلس الثورة أن يفاوض المجلس العسكري لإلغاء قرار يكون الأخير قد صدق عليه أو الحكومة المشكلة، إذا ما ثبت أن به خللا ما ، كأن يعترض على سياسة وزير من وزراء الحكومة حينما لا تعبر عن الثورة ومطالبها ، ومن أمثلة ذلك قريبا قرار د . سمير رضوان بالإستدانة من صندوق النقد الدولي، بما يحل أزمة حالية ويترك أزمات لاحقة، وهو الذي تراجع عنه في الآونة الأخيرة .
كما يمكن لهذا المجلس أن يستعين بمستشارين أو مجموعات تفكير من الخبراء المتخصصين لحل أي مشكلة، فعلي سبيل المثال يمكنه تشكيل لجنة استشارية لقضايا التخطيط أو الصحة وخلافها،

مجلة الوعي العربي